نزعةُ “مارس”… “القطيعةُ التطورية” واختطافُ الوعي البَشَري

في الفكرِ الفرويدي الكلاسيكي، يظلُّ الإنسانُ أسيراً لصراعٍ ثنائي بين طاقةِ الحياة (الليبيدو) ونزعةِ الفناء (الثناتوس). إلا أنَّ نظرةً فاحصة على مسارِ التطوُّرِ البَشَري تكشفُ عن وجودِ “فجوةٍ” كبرى لا تفسِّرها هذه “الثنائيةُ الطفولية”؛ فالفارقُ بين الإنسان وسَلَفِه الحيواني ليس فارقاً في “الدرجة”، بل هو انفصالٌ جذري في النوع. وهذا الانفصال يتجسَّد في نزعةٍ أصيلة سمَّيتُها “مارس” (Mars)، وهي القوة التي لم تكتفِ بتجاوز الغرائز الطبيعية، بل قامت باختطاف “الوعي” البشري لتحويل العدوان إلى فاعلٍ تاريخي وممارسةٍ إيديولوجية.
فبينما يظلُّ العدوانُ في المملكةِ الحيوانية فِعلاً “لَحَظياً” و”وظيفياً” (مرتبطاً بالجوع أو الدفاع عن المنطقة)، قام الإنسان، عبر توسُّعِ القشرةِ الدماغية وتطوُّرٍ الوعي، بنقل العدوان من حيز “الغريزة الخام” إلى حيز “الرمزية المستمرة”.
وهنا تكمنُ سَطوةُ نزعةِ “مارس”؛ إذ أنها لم تترك العدوانَ فِعلاً عارياً من دون سَنَد او ظهير، بل وظَّفت الوعيَ لخَلقِ مبرِّراتٍ أخلاقية وفلسفية له. فالحيوانُ يقتلُ ويهجمُ ثم يعودُ لحالةِ السكون، أما الإنسان، وبسببٍ من نَزعةِ “مارس” هذه، فقد اخترع “الإيديولوجيا” لكي يجعلَ من عدوانِه فِعلاً مستداماً ومشروعاً. فالوعيُ الإنساني، وبدلاً من أن يكونَ كابحاً للعدوان، أصبح هو “المُصنِّعَ” الذي يحوِّلُ طاقةَ مارس التدميرية إلى مفاهيمَ مثل “شِرعة الغاب” أو “الحقِّ التاريخي” أو “السمو العِرقي”.
ولقد أدَّت سطوةُ “مارس” إلى إعادةِ صياغةٍ كاملة للتعريفِ الفرويدي للغرائز، محولة إياها إلى أدوات تابعة لمنظومة “الوعي العدواني”. فلم يعد الليبيدو تحت سيطرة مارس مجرد نزعة للوصل الجنسي أو البقاء؛ بل تحول إلى رغبة في “الانتشار غير الملتزم بضوابطِ النوعِ والسيادة”. فالوعيُ البشَري يُلبِسُ الليبيدو ثوباً “بطولياً”، حيث يصبحُ غزوَ الآخَر وتدميرُ ثقافتِه نوعاً من “الخصوبة” الفكرية أو القومية. لقد أصبح الليبيدو هنا طاقةَ “غزو” لا طاقةَ “حب”. ولنأخذ الآن ما سماه سيجموند فرويد بـ “ثاناتوس” (غريزة الموت)، والتي هي عنده غريزة هادئة ساكنة. غير أن “مارس” طوَّعها عبر الوعي لتصبحَ “صناعةً للموت”. فالإنسانُ هو الكائنُ الوحيد الذي يبني “مؤسسات” للموت (جيوش، أسلحة دمار)، حيث يتم تبريرُ نَزعةَ الفناء بوصفِها مما يقتضيه الدفاعُ المشروع عن القِيَمِ الشاملة والمبادئِ الجامعة، مِن مِثل “العالم الحر” في مواجهةِ الأنظمةِ الديكتاتورية. والثاناتوس هنا لم يَعُد عودةً للجماد، بل أصبح “أداةً هندسية” لتشكيلِ العالَم بقوةِ السلاح.
يتبيَّنُ لنا، وبمقارنةٍ بسيطة مع الوقائع والحقائق، أن “الإنسان الفرويدي” هو كيانٌ مُختلَق، إذ يفترضُ وجودَ توازنٍ بايولوجي مفقودٍ في الواقع. أما الإنسانُ الحقيقي فهو الذي تميَّزَ عن سَلَفِه الحيواني بكونِه “كائناً صِدامياً”. فلقد تجاوزنا الطبيعة حين توقَّفنا عن أن نكونَ ضحايا لردودِ أفعالِنا، وأصبحنا مهندسين لعدوانِنا. فـ “مارس” ليس بقايا حيوانية فينا، بل هو “الابتكار” الإنساني الأكبر الذي جعل منا أسيادَ الكوكب ومُدَمِّريه في الوقت ذاته.
يتبين لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أن الاقتصار على “الليبيدو” و”الثاناتوس” وفقاً لتعريفهما الفرويدي يغفلُ الحقيقةَ المُرةَ التي مفادها أنَّ الإنسان هو الكائنُ الذي “اخترع” العدوان كمنظومةِ تفكير، وأنَّ نزعةَ “مارس” هي التي منحت الإنسانَ تميُّزَه عن السَّلَفِ الحيواني، وهي التي جعلت الوعيَ البَشَري سلاحاً لا أداةَ تأمُّل. فنحن لسنا مجرد كائناتٍ تبحث عن اللذة وتتهرَّب من الموتِ فحسب، ولكننا أيضاً كائناتٌ تخضع، شِئنا أم أبَينا، لتأثيرِ تلك النزعة الأصيلة التي تجعلنا نسعى للهيمنةِ المطلَقة، غير مُبالين بما يقتضيه ذلك من حِملنا لتَبِعاتِ خروجِنا السافر على قوانينِ الطبيعة.

أضف تعليق