الانسحابُ الإبستمولوجي للفكرِ التديُّني من المجالِ الطبيعي… قراءةٌ نقدية في ضوءِ فلسفةِ العلم وعلومِ الإدراك

تسعى هذه المقالة إلى تحليلِ ظاهرةٍ يمكن توصيفُها بـ”الانسحاب الإبستمولوجي” للفكر التديُّني التقليدي من مجالِ دراسة الظواهر الطبيعية، حيث تمّ، ضمنيًا، التسليمُ بِكَونِ هذا المجال اختصاصًا حصريًا للعلم المعاصر. وتجادل المقالة بأن هذا الانسحاب لا يستند إلى مسوِّغ إبستمولوجي صلب، بل يمثِّلُ تحوّلًا في البُنية المعرفية للفكر التديُّني أفضى إلى تقليص دورِه التأويلي وتحويله إلى “فاعلٍ دفاعي”. ومن خلال توظيف مفاهيم من فلسفة العلم (كارل بوبر، توماس كون) ونظريات الإدراك العصبي (النماذج التنبؤية للدماغ)، تُبيّن المقالة أن هذا التقسيم بين “الطبيعي” و”الديني” ليس معطىً موضوعيًا، بل بناءٌ تمثُّلي ناتجٌ عن تحوّلاتٍ معرفيةٍ عميقة. وتخلُص إلى أن استعادةَ الفاعليةٍ المعرفية للفكر التديُّني تتطلبُ إعادةَ دمجِ الظواهر الطبيعية ضمن أفُقِه التأملي، لا بوصفها منافِسةّ للعلم، بل بوصفها مجالًا موازيًا لإنتاج المعنى.
شهد الفكرُ التديُّني التقليدي، في سياق تفاعله مع الحداثة العلمية، تحوّلًا نوعيًا تمثَّل في قبوله الضمني بتقسيم الوجود إلى مجالين منفصلين: مجال “طبيعي” تُناط به التفسيرات العلمية، ومجال “ديني” يُحتفظ فيه بالمعنى الغيبي. ويُقدَّم هذا التقسيم غالبًا بوصفه تعبيرًا عن احترام التخصص، غير أنه يُخفي في عمقه تحوّلًا إبستمولوجيًا جوهريًا يتمثل في انسحاب الفكر التديُّني من مساحات واسعة من الوجود. وتنبعُ الإشكاليةُ التي تناقشها هذه المقالة من التساؤل التالي: “ما الذي خسره الفكر التديُّني نتيجة هذا الانسحاب؟ وهل كان لهذا التحوّل مسوِّغٌ معرفي حقيقي، أم أنه نتاجُ إعادةِ تشكيلٍ تمثّلي للواقع؟”
يَفترضُ التقسيمُ السائد أن العِلم يمتلك سلطةً تفسيرية مكتمِلة على الظواهر الطبيعية؛ غير أن هذا الافتراض يتعارضُ مع ما تُقرّره فلسفةُ العِلم المعاصر. فوفقًا لكارل بوبر Karl Popper، لا تقوم النظرياتُ العلمية على اليقين، بل على قابليةِ التكذيب (falsifiability)، ما يعني أن كلَّ تفسيرٍ عِلمي يظل مؤقتًا وقابلًا للمراجعة.
كما يبيّن توماس كون Thomas Kuhn أن العلم لا يتقدم بشكل تراكمي خطي، بل عبر “تحولات نموذجية” (paradigm shifts) تُعيد تعريفَ ما يُعدُّ حقيقةً علمية في كل مرحلة. وعليه، فإن التسليمَ المطلق بِقدرةِ العِلم على تفسيرِ “كل شاردة وواردة” ليس موقفًا علميًا بقدر ما هو قراءةٌ تبسيطية للعلم. وبناءً على ذلك، فإن انسحابَ الفكرُ التديُّني من المجال الطبيعي استنادًا إلى هذا الافتراض يمثِّلُ مغالطةً إبستمولوجية؛ إذ يسلِّم بسُلطةٍ تفسيرية لم يدَّعِها العلمُ نفسه.
تقدّم علومُ الإدراك الحديثة، خاصة ضمن إطار النماذج التنبؤية للدماغ (predictive processing)، رؤيةً مفادها أن الدماغ لا يدرك الواقع مباشرة، بل يبني نماذج تفسيرية له. أي أن ما نعتبره “تقسيمًا موضوعيًا” للواقع قد يكون في الحقيقة إسقاطًا لنماذج معرفية داخلية. ومن هذا المنظور، يمكن تفسير التقسيم بين “الطبيعي” و”الديني” بوصفه ليس انعكاسًا لبُنية الواقع، بل نتيجةَ إعادةِ تنظيمٍ تمثّلية فرضتها تحولاتٌ معرفية حديثة، وهذا يتقاطع مع ما يمكن تسميتُه، ضمن إطارٍ أوسع بـ “فائض التمثُّل”؛ حيث تتكاثر النماذج التفسيرية إلى حدٍّ تنفصلُ فيه عن الواقع الذي يُفترض أنها تفسِّره.
ولقد أدّى هذا الانسحاب إلى تحوّل الفكر التديُّني من منتجٍ للمعرفة إلى مستهلكٍ لها، حيث بات يعتمد على مخرجات العلم ثم يسعى إلى مواءمتها مع نصوصه. وبدلاً من أن يُنظرَ إلى الكون كوحدةٍ متكاملة، أصبح مقسَّمًا إلى مجالٍ “يُفهم” (العلم) ومجالٍ “يُؤمَن به” (الدين). وحَصْرُ دورِ الدين في تفسيرِ ما يعجز عنه العلم، أدى إلى تآكلِ هذا الدور مع تقدّمِ المعرفةِ العلمية، وهو ما يُعرف في فلسفة الدين بـ (إله الفجوات) God of the gaps. فبمجرد التسليم بأن العلمَ هو المرجعُ الوحيد في تفسيرِ الطبيعة، يصبح الفكرُ التديُّني مُلزَمًا ضمنيًا بقبول نتائجه، وذلك حتى عندما تمسُّ قضايا وجودية كبرى كأصلِ الإنسان والكون.
إن هذه المقالة لا تدعو إلى منافسةٍ بين الدين والعلم، بل إلى إعادةِ النظر في حدودِ كل منهما. فالعلم يُجيب عن “كيف”، بينما يظل سؤال “لماذا” مفتوحًا أمام أطُرٍ تأويليةٍ أوسع. غير أن هذا التمييز لا ينبغي أن يتحوّل إلى فصلٍ صارم. فاستعادةُ الفاعليةِ المعرفية للفكرِ التديُّني تتطلبُ إعادةَ الانخراط في تدبُّرِ الظواهر الطبيعية، وذلك ليس بهدف نفي التفسير العلمي، بل لتوسيعه ضمن أفقٍ دَلالي أعمق.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ما خسره الفكر التديُّني بانسحابه من المجال الطبيعي لا يقتصر على فقدان موضوعات للدراسة، بل يمتد إلى فقدان موقعه كفاعلٍ معرفي قادرٍ على إنتاج المعنى. وقد بيَّنت هذه المقالة أن هذا الانسحاب لم يكن ضرورةً إبستمولوجية، بل كان نتيجةَ إعادةِ تشكيلٍ تمثُّليةٍ للواقع بالإمكان مراجعتها. وبذلك، فإن استعادةَ هذا الدور لا تتطلب مواجهة العلم، بل إعادةَ التفكيرِ في العلاقةِ معه، وذلك بما يسمح بتجاوز “الانقسامَ المصطنَع” بين الطبيعي والديني، واستعادة وحدة المجال المعرفي للوجود.

أضف تعليق