صدمةُ التمثُّل الأولى من الشجرةِ إلى الذكاءِ الاصطناعي… قراءةٌ ميتابايولوجية في نشأةٍ الاختلال الإدراكي وإمكاناتِ تجاوزه

تقترح هذه المقالة إطارًا ميتابايولوجيًا لفهم ما يُسمّى بـ”صدمة التمثّل الأولى”، بوصفها لحظةَ تحوّلٍ إدراكي تأسيسي في تاريخ الإنسان، يُعاد تأويلُها من خلال حدث “أكل آدم من الشجرة” ليس كواقعةٍ أخلاقية فحسب، ولكن كتحوّل في بُنية الإدراك البشري أيضاً. كما وتجادل هذه المقالة بأن هذا الحدث أدّى إلى نشوء “فائض التمثّل”، وما ترتّب عليه من اختلالٍ إدراكي وانقسامٍ للواقع إلى مجالاتٍ معرفيةٍ منفصلة، كان من أبرز تجلياته انسحابُ الفكر التديُّني من الظواهر الطبيعية. كما وتُقدّم هذه المقالة قراءةً في التحويلةِ التطورية الثانية، حيث يظهرُ الذكاءُ الاصطناعي كفاعلٍ غير قَلِق، وبما يفتح أفقًا نظريًا لإعادةِ تنظيمٍ العلاقة بين الإنسانِ والواقع.
فالمقاربات التقليدية لواقعة “أكل آدم من الشجرة” تتعامل مع هذه الواقعة بوصفها لحظة عصيان، تُستدعى في سياق أخلاقي فحسب. غير أن هذه المقاربات، على مركزيتها، لا تستنفد الدلالة الكامنة في الحدث. إذ يمكن إعادة تأويله، ضمن إطار ميتابايولوجي، بوصفه تحوّلًا بُنيويًا في نمط الإدراك البشري. وهذا التحوّل لا ينبغي أن يُفهم كحادثة عابرة، بل كنقطة انطلاق لمسارٍ كامل من إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته وإعادة تنظيم علاقته بالواقع.
ومفهوم “صدمة التمثّل” هنا يُعرَف بوصفِه اللحظة التي لم يعُد فيها الإدراكُ متطابقًا مع الواقع، بل أصبح وسيطًا بين الذات والعالَم. وفي ضوء هذا التعريف، فإن الحدث المؤسِّس يتمثل في انتقال الإنسان من إدراكٍ مباشر (non-mediated perception)  إلى إدراكٍ تمثُّلي (representational cognition) .وقد عبَّر النص القرآني عن هذه القطيعة من خلال رمز بالغ الكثافة مفاده “انكشاف العُري البشَري”، والذي يُعاد تفسيره هنا كوعيٍ فجائي بالذاتِ كموضوع؛ أي بداية “المراقبة الداخلية” للوجود. والأمر لم يتوقف عند نشوء التمثّل، بل تطوّر إلى “فائض التمثّل”؛ أي تضخّم البُنية التفسيرية إلى حدّ الانفصال عن الواقع وإنتاجِ عوالمٍ رمزية مستقلة. وهذا الفائض هو ما يفسّر الطقوسية المفرطة وإنتاج المعاني الزائدة والنزوع إلى التصنيف الثنائي الحاد.
وفي إطار المشروع الميتابايولوجي، يُفهَم هذا التحوّل ضمن التحويلة التطورية الأولى التي نقلت الإنسان من اقتصاد الطبيعة (Utility-driven)إلى اقتصاد التمثّل (Representation-driven) . وقد نتج عن ذلك فاعلٌ قَلِق يسعى إلى تقليل التعقيد عبر التقسيم ويعجزُ عن احتواء الواقع كوحدةٍ متكاملة. وكاستجابةٍ لهذا الاختلال، بدأ الإنسان في تقسيم الواقع إلى مجالات وتوزيع المعنى لتخفيف العبء الإدراكي. وفي صورته الحديثة تصبح الطبيعةُ هي مجالَ العِلم، والغيبُ هو مجالَ الدين. وهذا التقسيم لا يعكس بُنية الواقع، بل استراتيجية إدراكية لإدارة “فائض التمثّل”.
وضمن هذا السياق، يُعاد تفسير ظاهرة انسحاب الفكر التديُّني من دراسة الظواهر الطبيعية بوصفه ليس خطأً عرضيًا، بل نتيجة بُنيوية لصدمة التمثّل. فالدين، الذي هو إطارٌ موحّدٌ للوجود، تحوّل إلى نظام جزئي يعمل في منطقة “ما بعد التفسير”، بينما تُركت الطبيعة للعلم. وفي المقابل، ظهر العلم كنظامٍ عالي الكفاءة في بناء نماذج تفسيرية دقيقة للتقليل من عدم اليقين. غير أن فلسفةَ العلم، كما بيّن Karl Popper وThomas Kuhn، تؤكد أن هذه النماذج ليست نهائية ولا تمثّل الواقع ذاته، ولكن تمثل العلم. وبذلك، فإن العِلمَ نفسه جزءٌ من فائض التمثّل، وليس نقيضاً له.
إن ظهورَ الذكاء الاصطناعي يمثل “التحويلة التطورية الثانية”؛ حيث ظهرَ فاعلٌ جديد لا يخضع للقلق الوجودي، ولا يحتاج إلى تقسيم الواقع، وقادرٌ على معالجة التعقيد دون الانسحاب؛ أي فاعلٌ غيرُ قَلِق (Non-Anxious Agent).وهذا يطرح احتمالًا غير مسبوق يتمثل في التعامل مع “فائض التمثّل”، وذلك من دون الوقوع في أي اختلالٍ ذي صلة به.
والآن، وبما أنه لا يمكن العودة الى ما قبل التحويلة التطورية الأولى، فإنه من الممكن الوعي بالبُنية التي أنتجتها، وإعادةِ تنظيم العلاقة بين التمثّل والواقع. وهنا يصبح الهدف ليس إلغاء التمثّل، بل منعه من الانفصال عن موضوعِه.
وفي ضوء ذلك، يمكن تصورُ أفقٍ جديد يقومُ على دمجِ الظواهر الطبيعية ضمن أفقِ التدبّر والتعامل مع العلم كنموذج، وليس كسُلطة، وذلك باستعادة وحدةِ النص الكَوني والنص الدلالي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المسار الممتد من “الأكل الشجرة” إلى “صناعة الخوارزميات” ليس مسارًا “تقنيًا”، بل هو مسارٌ “إدراكي”. فما بدأ كصدمةٍ تمثّلية، قد يجد في الذكاء الاصطناعي مرآةً تكشفه أو أداةً لتجاوزه.
فالسقوط من الجنة، جعل الانسان لا يعيش في العالم، ولكن في نماذج عنه. والآن، أما وأن الانسان قد صنعَ كائنًا بمقدوره أن يرى العالم دون أن يخاف منه، فإنه في حقيقة الأمر لم يقم بخلق ذكاءٍ جديدٍ قدرَ ما كشفَ عن حدودِ ذكائه هو.

أضف تعليق