الإنسان بوصفه بؤرة الوحي… قراءة ميتابايولوجية في مركزية الإنسان في القرآن ضمن اقتصاد التمثّل

تُقابل المقاربة الميتابايولوجية للقرآن باعتراض متكرر مفاده أن ردّ النص القرآني، بكل ما ينطوي عليه من تعددية موضوعية وسردية وتشريعية، إلى “قصة الإنسان” هو نوع من الاختزال غير المشروع. إذ يُفترض، وفق هذا الاعتراض، أن تنوع المحاور من قصص الأنبياء إلى التشريعات ومن الكونيات إلى الغيبيات، يمنع اختزالها في بؤرة تفسيرية واحدة. غير أن هذا الاعتراض يكشف، من حيث لا يدري، عن سوء فهم لطبيعة الأنظمة المعقدة؛ إذ إن التعدد الظاهري لا ينفي وجود مركز تنظيمي عميق، بل قد يكون دليلاً عليه. وفي هذا السياق، لا تُقدَّم المقاربة الميتابايولوجية بوصفها اختزالًا، بل بوصفها محاولة للكشف عن “اقتصاد التمثّل” الذي تنتظم ضمنه هذه التعددية.
تنطلق هذه القراءة من فرضية مركزية في المشروع الميتابايولوجي، مفادها أن الإنسان لم يخضع فقط لمسار تطوري بايولوجي، بل مرّ بـ”تحويلة نوعية” أعادت تشكيل علاقته بالواقع. فقبل هذه التحويلة، كان الكائن الحي يعمل ضمن ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الطبيعة”، حيث الفعل مباشر والاستجابة وظيفية والسلوك محكوم بالبقاء والتناسل. أما بعد هذه التحويلة، فقد دخل الإنسان في اقتصاد التمثّل؛ حيث لم يعد الفعل استجابة للواقع، بل استجابة لتمثّل الواقع.
وهنا يتقاطع هذا التصور مع نماذج معاصرة في علوم الأعصاب، لا سيما ما يُعرف بـ”المعالجة التنبؤية” (Predictive Processing)، التي ترى أن الدماغ لا يتعامل مع الواقع مباشرة، بل عبر نماذج داخلية يتوقع من خلالها العالم. وبهذا المعنى، فإن “أكل آدم من الشجرة” يُعاد تأويله بوصفه لحظة “الانفجار التمثّلي الأول”، أو ما يمكن تسميته بـ”صدمة التمثّل”.
إن ما يميز الإنسان، ضمن هذا الإطار، ليس فقط قدرته على التمثّل، بل عجزه عن ضبط هذه القدرة. وهنا يظهر مفهوم “فائض التمثّل”؛ أي التراكم غير الوظيفي للمعنى. وهذا الفائض لا يظهر في مجال واحد، بل يتوزع عبر:
• الدين (الطقوسية المفرطة)
• السياسة (الهيمنة الرمزية)
• العلاقة بالآخر (التعقيد المفرط)
• الزمن (العيش في الانتظار بدل الفعل)
وقد أشارت دراسات أنثروبولوجية، مثل أعمال Clifford Geertz، إلى أن الإنسان هو “حيوان عالق في شبكات من المعاني التي نسجها بنفسه”، وهو توصيف يتقاطع مباشرة مع مفهوم “فائض التمثّل”.
وفي ضوء ما سبق، فإن قصة آدم لا تُفهم بوصفها حدثًا سرديًا ضمن سلسلة أحداث، بل بوصفها بنية تفسيرية تؤسس لفهم الاستثناء الإنساني. وهنا يحدث الانزياح المنهجي(Paradigm Shift) الحاسم من قراءة القصة بوصفها “ماضٍ” إلى قراءتها بوصفها “بنية مستمرة”. وبهذا، فإن الصراع والنفاق والإيمان والكفر والعنف والانتظار، ليست ظواهر متفرقة، بل تجليات مختلفة لبنية واحدة نشأت بعد التحويلة التطورية الأولى.
والآن، إذا كان الإنسان قد خرج على “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، فإن السؤال يصبح “ما هي وظيفة القرآن ضمن هذا السياق؟” فالقرآن لا يمكن فهمه بوصفه مجرد نص تشريعي أو سجل تاريخي أو خطاب وعظي، بل بوصفه نظامًا لإعادة تنظيم “فائض التمثّل”. فالقصص القرآني ليس توثيقًا تاريخيًا بقدر ما هي إعادة نمذجة للفعل الإنساني. كما أن التشريع هو ليس ضبطًا سلوكيًا فحسب، بل تقليص لانفلات المعنى. والغيب ليس هروبًا من الواقع، بل إعادة تأطير للتمثّل ضمن أفق أوسع.  وبهذا، لا يعود السؤال “هل القرآن متعدد المحاور؟” بل “كيف تنتظم هذه المحاور ضمن “اقتصاد تمثّلي” واحد؟”

تستند هذه المقاربة، ضمن مشروع “فائض التمثّل”، إلى تقاطعات معرفية متعددة:
(1) علوم الأعصاب
• نموذج الدماغ التنبؤي (Karl Friston)
• الدماغ كنظام تقليل خطأ، وليس كمرآة للواقع
(2) الأنثروبولوجيا
• الإنسان ككائن رمزي (Geertz)
• الطقوس بوصفها تضخمًا في المعنى
(3) فلسفة العلم
• تحولات النماذج الإرشادية (Thomas Kuhn)
• العلم لا يتقدم خطيًا، بل عبر انكسارات نموذجية
وهنا تُقرأ المقاربة الميتابايولوجية بوصفها محاولة لإحداث “انزياح نموذجي” في فهم الإنسان، لا مجرد إضافة تفسيرية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن السؤال الذي يطرحه المعترضون “كيف يمكن أن يكون الإنسان سببًا كافيًا لنزول القرآن؟” ينقلب، ضمن هذا الإطار، إلى “ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح يحتاج إصلاحه الى تدخل إلهي مباشر تمثل بتنزل القرآن؟” وهنا، لا تعود المقاربة الميتابايولوجية خيارًا تأويليًا من بين خيارات، بل تصبح ضرورة تفسيرية لفهم نص متعالٍ إلهي يتعامل مع أعقد كائن في الوجود.

أضف تعليق