بين المشرط والقلم… تجليات الاستعلاء العرقي وخيانة الأرض في السينما والتاريخ

لا يمكن فهم الاستعمار كفعل عسكري فقط، بل هو منظومة بدأت بـ “المستشرق” الذي رسم بريشته دراسات مليئة بالاستعلاء العرقي، مهيئاً المسرح للمستعمر ليدخل بوصفه “المُتحضر” المنقذ. كما ورد في كتاب “أبيدوا كل المتوحشين”، فإن الإبادة لم تكن خطأً عارضاً، بل كانت جوهر الفلسفة الاستعمارية التي ترى في “الآخر” مجرد عقبة بايولوجية أمام التقدم.
فيوسف شاهين يقدم في فيلمه “الأرض” تشريحاً دقيقاً لكيفية عمل الاستعمار من خلال الوكلاء المحليين. فيظهر الخونة هنا في صورة “الباشوات” والمنتفعين الذين يبيعون حقوق الفلاحين من أجل مصالحهم مع السلطة الموالية للمستعمر. ونرى كيف يُنظر للفلاح (محمد أفندي وأبو سويلم) ككائن “أقل” لا يستحق امتلاك الأرض، وهي نفس النظرة التي روج لها المستشرقون في دراساتهم عن “جمود الشرق”. فمشهد سحل “محمد أبو سويلم” وهو متمسك بالأرض، يجسد الصراع الوجودي ضد آلة لا تكتفي بنهب الخيرات، بل تسعى لسحق مشاعر الارتباط بالأرض.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، يقدم ميل جيبسون رؤية لنشوء المقاومة ضد الاستعلاء البريطاني، وذلك في فيلمه (The Patriot) “الوطني”. فالفيلم يتقاطع مع ما طرحه ليندكفيست حول فكرة أن الاستعمار لا يعترف بـ “قواعد الحرب” عندما يتعامل مع من يراهم أدنى منه. فحرق الكنائس وقتل الأسرى في الفيلم يعكسان العقلية التي ترى في إبادة “المتمردين” ضرورة حضارية. ويبرز الفيلم أيضاً دور “الموالين” (Loyalists) الذين اختاروا الوقوف مع المستعمر ضد أبناء جلدتهم، ظناً منهم أن القوة الغاشمة هي التي ستسود للأبد.
وعند ربط الفيلمين بكتاب “أبيدوا كل المتوحشين”، نجد خيطاً ناظماً يتمثل في “نزع الإنسانية” (Dehumanization):
1. المستشرق: منح الشرعية الأخلاقية للاستعمار عبر تصوير الشعوب كأطفال يحتاجون وصاية، أو وحوش يحتاجون ترويضاً.
2. الخائن: هو الأداة الوظيفية التي تمنح المستعمر “شرعية محلية” زائفة وتساعده على تفتيت الجبهة الداخلية.
3. المستعمر: ينفذ ما قرأه في كتب “علم الأعراق” الزائفة، محولاً الأرض إلى ساحة تجارب للإبادة.
إن نقد الاستعمار اليوم يتطلب كشف الأقنعة عن دراسات المستشرقين التي ما زالت تعيش بيننا بأشكال حديثة، وفهم أن “الخيانة” ليست مجرد وجهة نظر، بل هي تفريط في الوجود التاريخي. إن صرخة “أبو سويلم” في وجه الإقطاع، وتضحية “بنيامين مارتن” في وجه صلف الاستعمار البريطاني، هما تجسيد لرفض تلك الحتمية التي حاول “البيض” فرضها على العالم.
وخير ما تُختتم به هذه المقالة مشهد من فيلم “الأرض” يُظهر “المزاد على الأرض”، وآخر من فيلم  The Patriotيُظهر “إحراق القرية”. ففي الأول يُسلب الإنسان مستقبله عبر القانون والوكلاء، وفي الثاني يُسلب حياته عبر الرصاص والنار، وكلاهما نتاج لعقلية استعلائية واحدة.

أضف تعليق