
ثمة سؤال يفرض نفسه بإلحاح كلما خرجت علينا وزارة الخارجية الأميركية، أو أي مؤسسة سياسية أميركية نافذة، لتلقي درسًا أخلاقيًا على هذا البلد أو ذاك، أو لتطالب زعيمًا بالتنحي، أو لإجبار حكومة ما على تغيير سياساتها الداخلية والخارجية، أو لتقديم نفسها بوصفها المرجعية العليا في الديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية السياسية. والسؤال هو: كيف يُراد للعالم أن يأخذ هذه الخطابات على محمل الجدية، وأن يتعامل معها بوصفها خطابات ذات حُجّية أخلاقية ومنطقية ملزِمة، بينما تكشف الحياة السياسية الأميركية نفسها عن مستوى هائل من التناقض والتشويه والتخوين والانحدار الخطابي الذي يكاد ينزع عن تلك الخطابات أي مصداقية قائمة بذاتها؟
فمن يتابع الانتخابات الأميركية، سواء داخل الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري، أو خلال الصراع بين هذين الحزبين، يلحظ بسهولة أن المشهد السياسي الأميركي لا يقوم في كثير من الأحيان على نقاش عقلاني هادئ حول البرامج والرؤى، بل على حملات متبادلة من الاتهامات والتشهير والتخوين، إلى الحد الذي يبدو فيه كل مرشح وكأنه يقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد للبلاد من كارثة يمثلها خصمه. بل إن الخطاب الانتخابي الأميركي كثيرًا ما يتحول إلى ما يشبه محاكمات أخلاقية متبادلة؛ فهذا يتهم ذاك بالكذب، وذاك يتهم خصمه بالفساد أو العمالة أو تهديد الديمقراطية أو حتى خيانة الأمة ذاتها. وكأن البلاد تقف في كل دورة انتخابية على حافة الانهيار الوجودي إن فاز الطرف الآخر.
والأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يجري التعامل معه بوصفه انحرافًا طارئًا، بل باعتباره جزءًا “طبيعيًا” من اللعبة السياسية. فكل شيء يكاد يصبح مشروعًا من أجل الفوز؛ من التضليل الإعلامي، إلى اجتزاء التصريحات، إلى صناعة السرديات الدعائية، إلى توظيف الشائعات، إلى الاستعانة بأشخاص يقدمون روايات مشكوكًا في صدقيتها، وصولًا أحيانًا إلى حملات منظمة تهدف إلى تشويه الخصم نفسيًا وأخلاقيًا أمام الرأي العام. والنتيجة هي أن المواطن الأميركي نفسه يجد نفسه أمام سيل متناقض من الادعاءات التي تجعل من الصعب عليه التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الوقائع الفعلية وماكينات التلاعب السياسي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فإذا كانت النخب السياسية الأميركية نفسها لا تثق ببعضها البعض، وإذا كان كل طرف يصور الآخر بوصفه خطرًا وجوديًا على البلاد، فبأي معنى تصبح الخطابات الأميركية الموجهة إلى العالم ذات سلطة أخلاقية أو معرفية تُلزم الآخرين بأخذها بوصفها “حقيقة” أو “تقييمًا موضوعيًا”؟
إن المشكلة هنا لا تتعلق بمجرد وجود خلافات سياسية داخلية، فكل المجتمعات تعرف الصراعات والتنافس الحزبي، وإنما تتعلق بطبيعة الخطاب ذاته. ذلك أن الدولة التي تقدم نفسها بوصفها الحَكم الأخلاقي الأعلى في العالم، لا يمكنها في الوقت نفسه أن تسمح بانكشاف هذا الحجم من العنف الرمزي والتضليل والتخوين داخل بنيتها السياسية، ثم تتوقع من الآخرين أن يتعاملوا مع خطاباتها الخارجية بوصفها خطابات محايدة وموثوقة ومتعالية على المصالح والصراعات الداخلية.
فحين تطالب واشنطن دولةً ما بإصلاح نظامها السياسي أو احترام الديمقراطية أو حماية حرية التعبير، فإن كثيرين حول العالم لم يعودوا ينظرون إلى هذه المطالب بوصفها تعبيرًا خالصًا عن مبادئ ذات مصداقية، بل بوصفها امتدادًا لصراع القوة والمصالح والنفوذ. فالخطاب يفقد قوته الإقناعية حين يصبح قائله نفسه غارقًا في ممارسات تقوض الأسس التي يدّعي الدفاع عنها. فالمصداقية ليست شيئًا يمكن فرضه بالقوة العسكرية أو الهيمنة الاقتصادية أو النفوذ الإعلامي، بل تُبنى أساسًا على الانسجام بين الخطاب والممارسة.
ومن هنا يمكن فهم تنامي الشك العالمي تجاه الخطابات السياسية الأميركية، حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها. فالعالم لم يعد يعيش في زمن الاحتكار الأحادي للسرديات، ولم تعد الشعوب تستقبل التصريحات الرسمية كما لو أنها حقائق منزلة لا يجوز مساءلتها. بل إن وسائل الاتصال الحديثة، والانقسامات الداخلية الأميركية نفسها، قد كشفت حجم التناقضات الكامنة داخل النموذج السياسي الأميركي، وجعلت كثيرين يرون أن الولايات المتحدة ليست ذلك الكيان المتماسك أخلاقيًا الذي يقدم نفسه للعالم، بل مجتمعًا يعيش هو الآخر أزمات حادة تتعلق بالحقيقة والثقة والهوية والانقسام.
ولعل المفارقة الأعمق هي أن هذا التآكل في المصداقية لا يقتصر على السياسة وحدها، بل يعكس أزمة أوسع تعيشها الحضارة المعاصرة بأسرها؛ أزمة لم يعد فيها الإنسان قادرًا على الفصل بين الحقيقة والدعاية، ولا بين المبدأ والمصلحة، ولا بين الخطاب الأخلاقي وأدوات الهيمنة. ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يصدق العالم الخطابات الأميركية كما كان يفعل سابقًا؟ بل ربما أصبح السؤال الأهم: هل ما زالت القوى الكبرى نفسها تؤمن فعلًا بما تقوله، أم أن الخطاب السياسي الحديث تحول إلى مجرد أداة براغماتية لإدارة النفوذ والصراع، حتى لو جرى ذلك على حساب الحقيقة ذاتها؟
