
لا يبدو فيلم المخرج برناردو برتولوتشي “التانغو الأخير في باريس” (1972) مجرد دراما نفسية مغرقة في السوداوية والجسدية، بل هو في جوهره مختبر سوسيولوجي ونقدي يعري طبقات الوعي الحضاري الغربي. ففي هذا الفضاء الباريسي المغلق، تتجلى “الهشاشة الإنسانية” في أقصى تدرجات ضعفها، لا لتثير الشفقة، بل لتكشف النقاب عن حقيقة الإمبراطورية الأمريكية المأزومة، المتخفية وراء قناع الفردية المطلقة والقوة الزائفة.
يتحرك البطل الأمريكي “بول” (مارلون براندو) في الفضاء العاري للشقة الباريسية مدفوعاً بوعي مشوّه ترعرع عليه منذ نعومة أظفاره؛ وهو وعي يكرّس “الاستثناء الأمريكي”، الذي يمثل الإنسان الذي تمت تنشأته وفقاً لما تقضي به “الطريقة الأمريكية للحياة” (The American Way of Life)، حيث يؤمن الفرد الأمريكي بأن له من الحقوق والامتيازات ما لا يحق لغيره من البشر، وبأن أفكاره ونظرته للعالم هي النبراس الذي يجب على الجميع الاهتداء بضيائه.
وحين يلتقي بالشابة الباريسية “جين” (ماريا شنايدر)، يحاول “بول” فرض شروطه المتمثلة في علاقة بلا أسماء وبلا ماضٍ وبلا هوية وهذا الإصرار على محو الهوية ليس سوى رغبة أمريكية متجذرة في إعادة صياغة الآخر وفق مقاسات “الذات المتفوقة”، وإلزام هذا الآخر بالامتثال والتمثل برؤية “الرجل الأبيض المتفوق”.
ويتجلى التناقض الصارخ في الفيلم عندما نصطدم بحقيقة الشابة الباريسية؛ فرغم أنها أصغر منه سناً بكثير، إلا أنها تفوقه نضجاً وخبرة ودراية بما ينبغي أن يكون عليه “الحب” والروابط الإنسانية الحقيقية. فالأمريكي يسعى إلى التملك والهيمنة وإخضاع المرأة سيكولوجياً وجسدياً كنوع من التعويض عن الفشل الداخلي. ولكن الشابة الباريسية تفهم الفن والسينما والعلاقات الإنسانية بمرونة لا يمتلكها “بول” الأمريكي المأزوم بانتحار زوجته.
لقد حاول البطل الأمريكي عبثاً فرض تصوراته، معتبراً طاعتها له أمراً حتمياً انطلاقاً من ثنائيتين:
1. ثنائية الوعي القومي المتمثلة في كونه الأمريكي المصطفى بالولادة، وهي “الآخر” التابع.
2. ثنائية النوع الاجتماعي المتمثلة في كونه رجلاً، وبالتالي يتوجب عليها، بصفتها امرأة، أن تطيع إملاءاته دون اعتراض.
لكن الأحداث تسير بخلاف ما اشتهته الذات الأمريكية المتضخمة. فبعد محاولات فاشلة ومضنية لإخضاع “جين”، ترفض الفتاة الباريسية أن تكون مجرد وعاء لتعويض إحباطاته، وتقرر إنهاء هذه العلاقة المأزومة والعودة إلى واقعها لتتزوج من خطيبها المخرج الفرنسي الشاب.
وهنا، يحدث التحول الدرامي الأبلغ؛ حيث يسقط قناع التكبر والغطرسة عن “بول”، ويتنازل دفعة واحدة عن ترفعه، ليتبنى بالكامل وجهة نظرها التي كان يعافها ويأنفها في البداية. فيطاردها في الشوارع، ويتخلى عن غباره القديم، ويترجاها أن تقبله كإنسان عادي، كاشفاً عن أعلى درجات هشاشته وضعفه بعد أن استُنزفت كل أدوات هيمنته الحضارية والذكورية. فلم تجد “جين” مفراً لإنقاذ كينونتها من ملاحقة هذا الأمريكي المستميت إلا بقتله بمسدس والدها الراحل الذي شارك كضابط رفيع الرتبة في الحملة العسكرية على الجزائر، والذي طالما استخف به واستهزأ بتاريخه العسكري.
فهذا الأمريكي الذي استخف بالتاريخ الاستعماري الأوروبي القديم (المتمثل بمسدس الأب)، يسقط صريعاً بذات السلاح، وهي الرصاصة التي تعلن نهاية “البلطجة” الفكرية والجسدية، وتؤكد أن الاستهانة بالآخر لا تثمر إلا دمار الذات المستعلية.
إن فيلم “التانغو الأخير في باريس”، من خلال هذه القراءة، يتحول من مجرد قصة حب وانحلال إلى مرثية سياسية وحضارية؛ حيث تعرت الهشاشة الأمريكية في أقسى صورها. فالرجل الأمريكي المتفوق هو مجرد كائن مهزوم وتائه في باريس، يبحث عن شرعية لوجوده من خلال قهر الآخر، لينتهي به المطاف جثة هامدة على شرفة باريسية، شاهداً على سقوط النبراس الزائف الذي أراد يوماً أن يهتدي به العالم.
