
حين بزغ فجر العلم الحديث في أوروبا، بدا وكأن البشرية قد دخلت “عصرًا جديدًا” يتحرر فيه العقل أخيرًا من الأسطورة واللاهوت والتفسيرات الغيبية للطبيعة. فقد جاء إسحاق نيوتن ليقدّم صورة مهيبة لكون تحكمه قوانين رياضية دقيقة، يمكن للعقل البشري أن يفهمها ويتنبأ بها دون الحاجة إلى الأرواح والقوى الخفية والأساطير القديمة. ومن هنا وُلد الحلم الحداثي الكبير: تحويل العالم من فضاء غامض مليء بالأسرار إلى نظام ميكانيكي شفاف يمكن تفسيره بالكامل بالعقل والرياضيات.
فلقد بدا الكون النيوتني أشبه بآلة كونية هائلة تعمل وفق علاقات سببية صارمة لا مكان فيها للمفاجآت الميتافيزيقية. فالشمس والكواكب والأجسام كلها تتحرك وفق قوانين ثابتة، والزمان والمكان يشكلان إطارًا مطلقًا ومحايدًا يحتوي هذا النظام الكوني المنتظم. وهكذا شعر الإنسان الحديث لأول مرة أنه يقف على أرض معرفية صلبة، وأنه لم يعد بحاجة إلى السحر لفهم العالم.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا المشروع الذي بدأ بوصفه محاولة لـ “نزع السحر عن الكون” انتهى، بعد قرون قليلة، إلى إعادة إنتاج السحر بصورة أكثر تعقيدًا وغموضًا. فكلما تعمق الإنسان في فهم الطبيعة، ازداد العالم غرابةً بدل أن يصبح أكثر ألفة. وكأن العلم، بدل أن يقتل الغموض، كان يكشف طبقات أعمق منه.
لقد جاء القرن العشرون ليقوّض الصورة النيوتنية المستقرة بصورة عنيفة. فالنسبية حطمت فكرة الزمان والمكان المطلقين، وفيزياء الكم نسفت التصور الكلاسيكي للواقع ذاته. وفجأةً لم يعد الكون آلةً صلبة يمكن التنبؤ بكل تفاصيلها، بل أصبح عالَمًا احتماليًا، تتداخل فيه الجسيمات والموجات، وتتغير فيه النتائج بمجرد الملاحظة، وتظهر فيه ظواهر تبدو، بالنسبة للعقل البشري، أقرب إلى السحر منها إلى “الفيزياء” بالمعنى التقليدي.
ومن هنا بدأت المفارقة الحضارية العجيبة: فالعلم الذي جاء ليطرد الغيب من العالم أعاد، بصورة غير مباشرة، فتح الباب أمام أشكال جديدة من الغموض والدهشة والميتافيزيقا. فالإنسان، غير القادر على التعايش طويلًا مع عالم ميكانيكي بارد، وجد في غرابة الفيزياء الحديثة فرصة لإعادة سحر الكون، ولكن هذه المرة بلغة المعادلات الرياضية بدل الأساطير القديمة.
فلقد تحولت مفاهيم مثل “اللايقين”، و”التشابك الكمي”، و”الأبعاد المتعددة”، و”انحناء الزمكان”، إلى ما يشبه الرموز الميتافيزيقية الجديدة التي تسمح للعقل البشري بإعادة تخيل الكون بوصفه لغزًا عميقًا يتجاوز الإدراك المباشر. وهكذا عاد الإنسان، من حيث لا يشعر، إلى ممارسة الشيء ذاته الذي ظن أنه تجاوزه في تحويل الطبيعة إلى فضاء مشبع بالغموض الرمزي.
إن المشكلة لا تكمن في العلم نفسه، بل في الطريقة التي يستقبله بها العقل البشري. فالمعادلات الرياضية، في ذاتها، لا تقول إن الكون “سحري” أو “روحاني”، لكنها، حين تمر عبر الوعي الإنساني، فإنها تتحول إلى مادة خام لإعادة إنتاج الدهشة والأسطورة والمعنى.
وهنا يظهر فائض التمثّل مرة أخرى بوصفه القوة الخفية التي تمنع الإنسان من ترك العالم في حياده الطبيعي. فالإنسان لا يحتمل كونًا صامتًا ومحايدًا بالكامل، ولذلك يعيد دائمًا إغراقه بالمعاني والرموز والصور الميتافيزيقية. فحتى أكثر نظريات العلم تجريدًا تتحول، في الوعي الجمعي، إلى أبواب نحو المطلق والغيب والسر الكوني.
ولعلّ ما يكشف عمق هذه الظاهرة هو أن كثيرًا من الناس لا يتعاملون مع فيزياء الكم أو الكوزمولوجيا الحديثة بوصفها نظريات علمية دقيقة، بل بوصفها “بديلًا حديثًا للأسطورة”. ولهذا ارتبطت الفيزياء الحديثة في الثقافة الشعبية بأفكار الوعي الكوني والطاقة الروحية والأبعاد الخفية وقوانين الجذب، وغيرها من التأويلات التي تتجاوز العلم نفسه بكثير. وكأن الإنسان، بعدما فقد السحر القديم، أخذ يبحث عن سحر جديد داخل المعادلات الرياضية.
إن الكون النيوتني، رغم صرامته، كان يمنح الإنسان شعورًا بالأمان؛ وذلك لأنه عالم يمكن التنبؤ به والسيطرة عليه. أما الكون الكمي والنسبوي، فقد أعاد الإنسان إلى مواجهة الغموض، ولكن داخل إطار علمي هذه المرة. ومن هنا يمكن القول إن العلم لم يقضِ على الدهشة، بل أعاد تشكيلها.
بل ربما تكون الحداثة العلمية قد أنتجت نوعًا جديدًا من السحر أكثر تعقيدًا من الأسطورة القديمة، لأنه يرتدي لباس الموضوعية والعقلانية والرياضيات. فالإنسان الحديث لا يعبد الأرواح القديمة، لكنه قد “يقدّس” المعادلات الرياضية بالطريقة ذاتها التي “قدّس” بها أسلافه الأوثان والاصنام من قبل.
إن الإنسان، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، لم يعد قادرًا على رؤية العالم كواقع محايد فحسب. لقد أصبح كائنًا يبحث بلا توقف عن المعنى الكامن خلف الأشياء. ولذلك فإن كل محاولة لنزع السحر عن الكون تنتهي، بصورة أو بأخرى، إلى إعادة إنتاجه بلغة جديدة.
وهذا ما يجعل تاريخ العلم نفسه تاريخًا متكررًا لتحول المعنى، وليس لتحرر الإنسان النهائي منه. فحين انهارت الأساطير القديمة، جاءت الفلسفات. وحين تراجعت الفلسفات، صعدت الأيديولوجيات. وحين بدا أن العلم سيُخضع العالم بالكامل للعقل، أعاد الإنسان تحويل العلم ذاته إلى بوابة جديدة نحو الغموض.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان نادرًا ما يدرك أنه يفعل ذلك. فهو يظن أنه يفسر العالم موضوعيًا، بينما يكون في الحقيقة يعيد تشكيله بما يسمح له بتحمل هشاشة وجوده داخل كون لا يقدم له بنفسه أي معنى جاهز.
إن السؤال الحقيقي إذًا ليس: “هل نجح العلم في نزع السحر عن العالم؟”، بل: “هل يستطيع الإنسان أصلًا أن يعيش داخل عالم منزوع السحر بالكامل؟” لعل الجواب الأعمق هو أن الإنسان، بوصفه كائنًا مفرط التمثّل، لا يستطيع ذلك. فهو يحتاج دائمًا إلى إعادة شحن العالم بالدهشة والمعنى والغموض، حتى لو اضطر إلى استخدام المعادلات العلمية نفسها للقيام بهذه المهمة.
وهكذا، فمن نيوتن إلى الكَم، لم يكن تاريخ العلم مجرد رحلة لفهم الكون، بل كان أيضًا رحلة الإنسان المستمرة لإعادة اختراع السحر، ولكن هذه المرة باسم العلم.
