
من أكثر المفارقات عمقًا في تاريخ العقل البشري أن الفيزياء، التي وُلدت أساسًا بوصفها محاولة لفهم الظواهر الطبيعية كما تتجلّى في الواقع والتجربة، انتهت شيئًا فشيئًا إلى إنتاج منظومات ميتافيزيقية كاملة تتجاوز الوقائع ذاتها، وتفرض على الإنسان طريقة محددة لرؤية الوجود وفهمه والتعامل معه. فالمشكلة لم تكن يومًا في الظواهر الطبيعية نفسها، إذ إن الطبيعة، من حيث هي وقائع وتجارب وأحداث، لا تُخبر الإنسان إلا بما يحدث، لكنها لا تفسر له بالضرورة ما “يعنيه” ما يحدث، ولا تمنحه ذلك الشعور النفسي العميق بالسيطرة والفهم والاطمئنان الذي يبحث عنه العقل البشري بلا توقف. ومن هنا تحديدًا بدأ فائض التمثّل يؤدي دوره بوصفه سلطة “فوق-معرفية” تتجاوز المعطيات الخام للواقع، وتعيد تشكيلها داخل قوالب نظرية تمنح الإنسان شعورًا بأنه لم يعد مجرد كائن يراقب العالم، بل أصبح قادرًا على امتلاكه معرفيًا.
فالإنسان لم يكتفِ يومًا بمشاهدة سقوط الأجسام أو حركة الكواكب أو انبعاث الضوء أو سلوك الذرات، بل احتاج دائمًا إلى ما هو أبعد من الظاهرة نفسها؛ احتاج إلى “قصة كونية” تجعل العالم قابلاً للاستيعاب النفسي. ومن هنا لم تكن النظرية الفيزيائية مجرد أداة تفسيرية محايدة، بل تحولت إلى بنية تمثّلية ضخمة تُعيد ترتيب الواقع داخل تصور يمنح الإنسان إحساسًا ضمنيًا بأنه اقترب من “الحقيقة النهائية”. وهكذا لم تعد الفيزياء مجرد وصف للطبيعة، بل أصبحت شيئًا يشبه الميتافيزيقا الحديثة؛ ميتافيزيقا لا تستمد سلطتها من النصوص الدينية أو الأساطير القديمة، وإنما من المعادلات والتجارب والمختبرات.
غير أن الخطورة الحقيقية تبدأ حين تتحول النظرية من كونها نموذجًا تفسيريًا مؤقتًا إلى سلطة معرفية مغلقة تفرض حدودًا لما يجوز التفكير فيه أصلًا. فعبر تاريخ العلم الحديث، لم يكن كثير من الرفض الموجه لبعض الظواهر نابعًا من فشل تجريبي حاسم دائماً، بل من تعارض تلك الظواهر مع البنية النظرية السائدة نفسها. أي إن النظرية لم تعد مجرد أداة لفهم الواقع، بل أصبحت مرجعًا يُحاكَم الواقع إليه. وهنا تحديدًا تتجلى ميتافيزيقا الفيزياء بأوضح صورها؛ إذ يتحول النموذج التفسيري إلى ما يشبه “العقيدة المعرفية” التي تقرر مسبقًا ما الذي يمكن أن يوجد وما الذي يستحيل وجوده.
إن أخطر ما فعله فائض التمثّل بالعقل البشري أنه جعله يخلط بين “الواقع” و”الصورة النظرية للواقع”. فبدل أن تبقى النظريات وسائل تقريبية لفهم العالم، تحولت في الوعي البشري إلى بدائل عن العالم نفسه. ومن هنا نشأ ذلك الميل العميق إلى التعامل مع أي ظاهرة لا تنسجم مع النموذج النظري القائم بوصفها تهديدًا للنظام المعرفي برمّته. وهكذا صار الإنسان، وياللتناقض، أكثر استعدادًا لإنكار بعض الوقائع أو تهميشها من أجل حماية النموذج التفسيري الذي صنعه بنفسه.
ولعلّ هذا هو ما يفسر كيف أن بعض الاتجاهات العلمية الحديثة تعاملت مع قضايا الوعي، أو التجارب الإنسانية غير المألوفة، أو بعض الظواهر الحدّية، بوصفها أمورًا ينبغي استبعادها مسبقًا، لا لأن استحالتها قد ثبتت بصورة نهائية، بل لأن مجرد الاعتراف بإمكانها قد يزعزع البنية الميتافيزيقية غير المعلنة التي تقوم عليها بعض النماذج الفيزيائية والمادية السائدة. وهكذا يتحول “العلم”، دون أن يشعر، من أداة لتحرير العقل إلى منظومة تعمل أحيانًا على تضييق مجال التساؤل الإنساني نفسه.
ومن المفارقات اللافتة أن الفيزياء، التي بدأت بمحاولة تحرير الإنسان من الأساطير، انتهت إلى إنتاج أساطيرها الخاصة، ولكن بلغة رياضية هذه المرة. فكما كانت الحضارات القديمة تبني تصورات كونية تمنح الإنسان شعورًا بمركزية وجوده داخل الكون، جاءت بعض السرديات الفيزيائية الحديثة لتمنح الإنسان شعورًا جديدًا بالتفوق، يتمثل في اعتقاده بأنه الكائن الوحيد القادر على فهم بنية الوجود وقوانينه النهائية. ومع كل تقدم علمي جديد، تعزز هذا الشعور بأن الإنسان قد اقترب من “السيطرة النهائية” على الواقع، وكأن الكون قد تحول إلى معادلة قابلة للاحتواء الكامل داخل العقل البشري.
غير أن هذا التصور قد يكون واحدًا من أكثر الأوهام حداثةً وتعقيدًا. فالعقل الذي ينتج النظريات ليس عقلًا محايدًا بالكامل، بل هو عقل خرج، منذ الانعطافة التطورية الأولى، من حالة الانسجام مع “اقتصاد الطبيعة”، وأصبح يعيش داخل “اقتصاد التمثّل”، حيث لا يعود الواقع وحده كافيًا، بل يغدو الإنسان محتاجًا باستمرار إلى بناء أنظمة تفسيرية تمنحه شعورًا بالمعنى والسيطرة واليقين. ومن هنا فإن كثيرًا من النظريات الفيزيائية، مهما بلغت دقتها الرياضية والتجريبية، قد لا تكون مجرد انعكاس للواقع كما هو، بل أيضاً انعكاسًا للبنية النفسية العميقة للعقل البشري نفسه، ولحاجته الوجودية إلى تحويل الكون إلى شيء يمكن احتماله ذهنيًا.
ولهذا فإن السؤال الأكثر خطورة ليس: “هل تفسر الفيزياء العالم بدقة؟” بل: “إلى أي مدى أصبحت الفيزياء نفسها جزءًا من البنية التمثّلية التي يستخدمها الإنسان لحماية نفسه من فوضى المجهول؟”. فربما لم يكن الإنسان يسعى فقط إلى فهم الكون، بل إلى الاحتماء نفسيًا من اتساعه وغموضه عبر تحويله إلى نماذج ومعادلات ونظريات تمنحه وهم القدرة على الإحاطة بما قد يكون أكبر بكثير من حدود الإدراك البشري ذاته.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، تتحول الفيزياء من علم يدرس الوجود إلى مرآة تكشف طبيعة الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي لا يستطيع الاكتفاء بالواقع كما هو، بل يشعر بحاجة قهرية إلى إعادة تمثيله وتأويله وإلباسه معنى، ثم تحويل هذا المعنى نفسه إلى سلطة فوق-معرفية تُحدد ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز.
