ما وراء المادة والوعي… تجربة مركز البحوث النفسية العراقي (1978-2003) في مَأسَسَة البحث التجريبي الباراسايكولوجي

لطالما وقفت الظواهر السايكولوجية غير التقليدية، أو ما يُعرف بـ “الباراسايكولوجيا”، على الحد الفاصل بين الرفض الأكاديمي الصارم والشغف الإنساني بالخوارق. ومع ذلك، فإن النصف الثاني من القرن العشرين شهد تحولاً إبستمولوجياً لافتاً، حيث لم تعد هذه الظواهر حكراً على التأويلات الميتافيزيقية أو التفسيرات الشعبية، بل أُخضعت لمشرط المنهج العلمي التجريبي. وفي حين كانت جامعات مرموقة في الولايات المتحدة (مثل جامعة ديوك وجامعة برينستون) ومختبرات سرية مدعومة من الدولة في الاتحاد السوفيتي تخوض سباقاً محموماً لدراسة القدرات الذهنية الفائقة واستثمارها إستراتيجياً، شهد الوطن العربي تجربة رائدة وفريدة من نوعها لم يكن لها من سابقة في المنطقة؛ تمثلت في الدور الطليعي الذي اضطلع به مركز البحوث النفسية المرتبط بجامعة بغداد في المدة الممتدة من عام 1978 وحتى عام 2003.
فلقد انطلقت تجربة مركز البحوث النفسية في أواخر السبعينيات لتقدم نموذجاً مغايراً في التعاطي مع “علم النفس الموازي”. فلم يكن الهدف إثبات المعجزات أو الترويج للغيبيات، بل كان التوجه قائماً على البحث العلمي التجريبي الرصين. ولقد أدرك القائمون على المركز والجهات الداعمة له أن الظواهر الباراسايكولوجية، مثل التخاطر (Telepathy)والجلاء البصري (Clairvoyance)والتحريك الذهني (Psychokinesis)، هي ظواهر حيوية تستحق الدراسة المختبرية تماماً كما تُدرس الفيزياء والفيزيولوجيا.
ولتحقيق هذه الغاية، جُهز المركز بمختبرات متطورة احتوت على أجهزة تخطيط الدماغ والأعصاب (EEG)، ومستشعرات قياس المقاومة الكهربائية للجلد، وكاميرات رصد دقيقة. كان هذا التوجه يحاكي في صرامته المنهجية ما كان يجري في مختبرات “الاستبصار العقلي” الأمريكية أو مراكز البحوث النفسية غير التقليدية السوفيتية، حيث عُزل المتطوعون وأصحاب القدرات الفائقة في غرف محصنة لضمان دقة النتائج الإحصائية واستبعاد أي احتمالية للخداع أو الإيحاء الذاتي.
ولقد نجح المركز في جذب وتشكيل نخبة من ألمع العقول العراقية والعربية من تخصصات متعددة شملت الطب النفسي والفيزياء وعلم النفس التربوي. وبرزت في هذا الميدان أسماء وازنة تركت بصمة لا تُمحى؛ من أمثال الطبيب النفسي القدير د. علي كمال، والمفكر وعالم النفس د. نوري جعفر، والباحث والمترجم الموسوعي د.معروف الجلبي، إلى جانب جهود د. لؤي كاظم ود. سعد بشير إسكندر وغيرهم من الأكاديميين الذين حاولوا تأصيل هذه العلوم وتجذيرها في التربة الأكاديمية العربية. ولم يقف نشاط المركز عند حدود التجارب المغلقة، بل تعداها إلى خلق بيئة ثقافية وعلمية تفاعلية عبر:
1. المؤتمرات والندوات السنوية: التي غدت ملتقى دورياً للباحثين والأطباء لمناقشة آخر ما توصلت إليه أبحاث الطاقة الحيوية والوعي.
2. الإنتاج المعرفي والمجلات المحكمة: حيث رفد المركز المكتبة العربية بـ مجلة البحوث النفسية، فضلاً عن إصدار “سلسلة دراسات باراسايكولوجية” وترجمة أحدث البحوث العالمية الصادرة باللغتين الإنجليزية والروسية، مما ساهم في خلق وعي جمعي منهجي بين المثقفين والأكاديميين العرب حول ماهية هذه الظواهر.
ولعل الإنجاز الأبرز والأكثر جرأة في تاريخ المركز، والذي يُحسب له كسبق علمي غير مسبوق على مستوى الوطن العربي والعالم، هو التفاتته الذكية لـ ظواهر الشفاء والتحمل غير التقليدي التي يستعرضها دراويش الطريقة الكسنزانية. ففي تسعينيات القرن الماضي، شكّل المركز فرقاً بحثية متخصصة لإخضاع فعاليات دراويش الطريقة الكسنزانية للدراسة والتحليل المخبري الصارم. شملت هذه الفعاليات خوارق فيزيولوجية مذهلة، مثل إدخال الشيش (الأسياخ المعدنية) في الجسم وقضم الزجاج، دون حدوث نزف دموي أو التهابات مايكروبية أو تسمم، وضمن فترات شفاء خاطفة للأنسجة تعجز النظريات الطبية الحالية عن تفسيرها.
لقد درس مركز البحوث النفسية هذه الظواهر ليس بوصفها طقوساً دينية مجردة، بل كحالات حية لـ “تطويع المادة بواسطة قوى نعجز عن فهمها وفقاً لما بين أيدينا من العلم”. وجرت مراقبة المؤشرات الحيوية للدراويش أثناء الدخول في حالة “الوجد” أو “الذِكر” لمعرفة التغيرات التي تطرأ على موجات الدماغ (مثل موجات ثيتا وألفا) وكيفية تحكم الحالة النفسية الفائقة بميكانيكية الألم والنزف والالتئام السريع للجروح. أثبتت هذه الدراسات أن الإنسان يمتلك طاقات كبح فيزيولوجية وعصبية هائلة يمكن تفعيلها تحت ظروف نفسية وروحية محددة، مما فتح آفاقاً جديدة في فهم الطب النفسي-الجسدي (Psychosomatic).
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن التجربة الغنية لمركز البحوث النفسية العراقي خلال ربع قرن (1978-2003) تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن العقل العربي قادر على ارتياد آفاق البحث العلمي الأكثر تعقيداً وجرأة متى ما توفرت له المؤسسية والمنهجية.
وفي الختام، فإن الدرس الأهم الذي نستخلصه من هذه التجربة هو أن البحث التجريبي الرصين في مجال الظواهر السايكولوجية غير التقليدية لا ينبغي أن يقف في طريق تقدمه وتطوره أي عائق إيديولوجي أو أحكام مسبقة أو دوغمائيات علمية جامدة. إن استكشاف المجهول هو جوهر العلم؛ والوصول إلى فهم أعمق لطبيعة هذه الظواهر وخفايا الوعي الإنساني ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة معرفية ملحة قد تعين البشرية على استكشاف إمكاناتها الكامنة، وتوظيفها فيما هو ذو نفع وفائدة عظيمة في مجالات الطب والتعليم والأمن النفسي وتطوير القدرات البشرية.

أضف تعليق