
لم يكن السؤال الذي طرحه ألبرت اينشتاين عنواناً لمقالته: “Can Quantum-Mechanical Description of Physical Reality Be Considered Complete?” (هل يمكن للتوصيف الذي قدمته ميكانيكا الكم للواقع الفيزيائي ان يُعتبر مكتملاً) في حقيقته سؤالًا فيزيائيًا محضًا بقدر ما كان سؤالًا فلسفيًا موجّهًا إلى حدود العقل البشري نفسه، وإلى طبيعة العلاقة بين الإنسان والواقع. فالسؤال، في جوهره، لم يكن يدور فقط حول ميكانيكا الكم، بل حول ما إذا كان العقل البشري قادرًا أصلًا على امتلاك “وصف كامل” للواقع الفيزيائي، أو أن كل ما ينتجه ليس سوى تمثلات متعاقبة للواقع، تتبدل بتبدل البنى الإدراكية والنظرية التي يصوغها الإنسان لكي يحتمل العالم ويفهمه.
لقد كان أينشتاين، رغم عبقريته الفيزيائية الفذة، لا يزال يتحرك داخل أفق فلسفي تشكّل تاريخيًا بفعل ما يمكن تسميته بـ “فائض التمثل”. فهذا الفائض لا يكتفي باستقبال الواقع كما هو، بل يدفع الإنسان دائمًا إلى البحث عن صورة نهائية، متماسكة، ومغلقة للعالم، وكأن الوجود لا يكتمل إلا إذا أمكن للعقل أن يطوّقه داخل بنية تفسيرية موحدة. ومن هنا تحديدًا جاء قلق أينشتاين من ميكانيكا الكم؛ إذ لم يكن اعتراضه الحقيقي على النتائج الرياضية أو التجريبية للنظرية، وإنما على ما كانت تعنيه فلسفيًا: عالم لا يقدّم نفسه بوصفه بناءً حتميًا شفافًا يمكن للعقل أن يمتلكه بصورة كاملة ونهائية.
غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن السؤال ذاته، وكذلك كل محاولة للإجابة عنه، إنما يمثلان معًا صورتين مختلفتين لفعل تمثلي واحد. فالسؤال الذي يبحث عن “اكتمال وصف الواقع” يفترض مسبقًا أن ثمة إمكانية عقلية لصياغة هذا الاكتمال أصلًا، بينما تأتي الإجابات المختلفة، سواء المؤيدة لاكتمال الوصف الكمي أو المعارضة له، لتقدم بدورها تمثلات متعارضة لذات الواقع الفيزيائي. وهكذا يصبح الواقع الواحد ساحةً تتصارع فيها صور عقلية متعددة، ليس لأن الواقع قد تغيّر، بل لأن الإنسان لا يستطيع النفاذ إليه إلا عبر طبقات من التمثّل النظري واللغوي والرياضي.
إن ما تكشفه أزمة ميكانيكا الكم ليس قصور الفيزياء وحدها، بل قصور التصور البشري التقليدي عن المعرفة ذاتها. فالإنسان اعتاد، منذ قرون طويلة، أن يتعامل مع النظريات بوصفها مرايا تعكس الواقع كما هو، بينما قد تكون في حقيقتها أدوات نفسية-معرفية لإنتاج قدر من الاتساق يسمح للعقل بأن يواصل الإحساس بأنه يفهم العالم. ولهذا فإن اختلاف الفيزيائيين حول تفسير المعادلات الكمية لا يعود إلى اختلاف الواقع الفيزيائي نفسه، بل إلى اختلاف البنية التمثّلية التي يحاول كل عقل أن يفرضها على ذلك الواقع.
ومن هنا يمكن النظر إلى سؤال أينشتاين بوصفه مثالًا بالغ العمق على الكيفية التي يدفع بها فائض التمثل الإنسان إلى السعي وراء “الحقيقة النهائية”، حتى حين تكون الوقائع الفيزيائية نفسها قد بدأت بالإشارة إلى أن الواقع قد يكون أعقد من أن يُختزل داخل وصف واحد مكتمل ونهائي. فميكانيكا الكم لم تهدم الفيزياء، بل هدمت وهمًا أقدم وأعمق مفاده أن العقل البشري قادر على امتلاك الواقع امتلاكًا كاملاً.
ولعل أعظم مفارقة في الأمر أن أينشتاين نفسه، الذي شكك في اكتمال الوصف الكمي، كان يسعى لاحقًا إلى بناء نظرية المجال الواحد؛ أي إلى استعادة الحلم القديم ذاته؛ حلم التوحيد النهائي للواقع داخل بنية عقلية شاملة. وكأن العقل البشري، مهما اقترب من حدود الغموض، يعود دائمًا ليعيد إنتاج رغبته القديمة في العثور على “الصورة الأخيرة للعالم”. غير أن هذا السعي نفسه قد يكون دليلًا إضافيًا على أن الإنسان لا يعيش داخل الواقع وحده، بل داخل تمثلاته عن الواقع، وأن تاريخ العلم ليس تاريخ اكتشافات فحسب، بل أيضًا تاريخ طويل من الصراع بين تمثلات مختلفة للحقيقة ذاتها.
