
في الخامس والعشرين من مارس عام 1935، استلمت مجلة Physical Review العريقة ورقة بحثية لم تكن مجرد أطروحة فيزيائية، بل كانت زلزالاً فكرياً ما زالت ارتداداته تشكل وعينا بالكون حتى اليوم. صاغ هذه الورقة ألبرت أينشتاين مع زميليه بودولسكي وروزن (وعُرفت لاحقاً بمفارقة EPR) ، طرح فيها سؤالاً جريئاً وعميقاً: “هل يمكن اعتبار الوصف الميكانيكي الكمي للواقع الفيزيائي مكتملاً؟”.
كان أينشتاين حينها على بعد عشرين عاماً من رحيله عن عالمنا، وقبل أن يغرق تماماً في صياغة مشروعه الأخير حول “نظرية المجال الموحد”. فلم يكن أينشتاين في هذا المقال يهاجم ميكانيكا الكم باعتبارها “خاطئة” في حساباتها الرياضية؛ بل كان يحتج، بحدس فلسفي رفيع، على مفهومها لـ “الواقع”. ولكي نستبين الأمر دون أن نظلم طرفاً لحساب آخر، علينا أن نقف على الجسر الفاصل بين رؤيتين صاغتا أعظم سجال علمي في القرن العشرين.
أولاً: في الدفاع عن “مدرسة كوبنهاغن” (إنصاف ميكانيكا الكم)
لكي لا نظلم ميكانيكا الكم (التي تزعَّمها نيلز بور)، يجب أن نُقر بأنها النظرية الأكثر نجاحاً وتطبيقاً في تاريخ البشرية. فبدون معادلاتها وتنبؤاتها الاحتمالية، لما حظينا بثورة أشباه الموصلات، ولا بمعالجات الكمبيوتر، ولا بفيزياء الليزر. فهذه المدرسة تقول: الطبيعة في مستواها المجهري (الدون ذري) ليست صندوقاً يحتوي على أشياء محددة سلفاً. فالجسيم لا يملك مكاناً ثابتاً ولا سرعة محددة، بل يعيش في حالة من “الاحتمالات الغائمة” المتداخلة. ولا تنهار هذه الاحتمالات إلا عندما يتدخل الفيزيائي بأداة القياس لتتحول إلى واقع ملموس. فبور يرى أنه ليس من حق العلم أن يسأل عما يفعله الجسيم عندما لا ننظر إليه، وذلك لأن “القياس” و”الملاحظة” هما جزء لا يتجزأ من تكوين الواقع نفسه.
ثانياً: في الدفاع عن أينشتاين (إنصاف اليقين الطبيعي)
وفي المقابل، كان أينشتاين يرى في هذا التفسير نوعاً من “الاستسلام الفلسفي”. فصرخته الشهيرة: “إن الرب لا يلعب النرد مع الكون”، لم تكن دينية، بل كانت دفاعاً عن “الواقعية الموقعية .“Local
كان أينشتاين يؤمن بأن الكون موجود بشكل مستقل تماماً عن وعينا البشري وعن أدوات مختبراتنا. وطرح مع زميليه معضلة “التشابك الكمي” والتي تنص على: إذا كان هناك جسيمان مشتبكان، وقمنا بقياس أحدهما هنا، وتحدد وضع الآخر فوراً في أقصى الكون، فإما أن هناك إشارة سحرية سافرت بينهما بأسرع من الضوء، وهذا مستحيل وفقاً لما تقضي به النظرية النسبية، أو أن النظرية الكمية “قاصرة وغير كاملة”، وهناك “متغيرات خفية” (معلومات سرية داخل الجسيمات) لم نصل إليها بعد، تماماً كقفازين وُضعا في صندوقين منفصلين؛ معرفتك بنوع القفاز الأول لا تعني أنك أثرت سحرياً على الثاني، بل تعني أن حقيقتهما كانت محددة منذ لحظة الفراق.
إن الوقوف بين بور وأينشتاين لا يعني اختيار أحدهما وتخطئة الآخر، بل يعني إدراك أن ميكانيكا الكم، بروعتها الإحصائية، قد تكون مجرد “صيغة وسيطة” لفهم الطبيعة. تماماً كما كانت ميكانيكا نيوتن صيغة ممتازة لفهم حركة الكواكب، حتى جاءت نسبية أينشتاين لتقدم عمقاً أكبر وتحتوي نيوتن في داخلها كحالة خاصة.
فاليوم، تفتح الفيزياء المعاصرة أبواباً واسعة لتطوير هذه المقاربة عبر مستويات فهم تتأرجح بين التبسيط الشديد والتعقيد البنيوي:
• تفسير العوالم المتعددة: حيث يرى بعض الفيزيائيين أن الاحتمالات لا تنهار، بل إن الكون ينقسم عند كل عملية قياس إلى أكوان متوازية، بحيث تتحقق كل الاحتمالات في تفريعات كونية مختلفة.
• نظرية الأوتار والمجال الموحد: محاولة العودة لروح أينشتاين، حيث لا يعود الجسيم نقطة احتمالية غامضة، بل اهتزازاً لوتر طاقة دقيق في أبعاد متعددة، مما يعيد للفيزياء طابعها الحتمي هندسياً.
• الومضات العشوائية المستقلة: وهي فرضيات ترى أن الانهيار الاحتمالي يحدث تلقائياً وبشكل مستمر في الطبيعة دون الحاجة لوجود “ملاحظ بشري” أو أداة قياس، مما يعيد للكون استقلاليته الواقعية التي تمنى أينشتاين إثباتها.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن ميكانيكا الكم هي أشبه بنظرية تصف بدقة حركات الأسواق والبورصات العالمية عبر معادلات الاحتمال والإحصاء، وهي تنجح في ذلك نجاحاً مبهراً. لكنها تظل علمياً وفلسفياً غير كاملة؛ لأنها لا تستطيع إخبارنا بما يدور في عقل تاجر واحد داخل هذا السوق، وتكتفي بالقول إن هذا التاجر “ليس له وجود محدد” حتى يدخل شخص ليتحدث إليه. فلقد كان سؤال أينشتاين عام 1935 بمثابة هدية للمستقبل. فلم يكن عناداً من رجل عجوز يرفض الجديد، بل كان استشرافاً بأن خلف هذا الضباب الكمي الجميل والمربح تكنولوجياً، يختبئ واقع أكثر أكتمالاً وتماسكاً، ينتظر عقلاً جديداً يُبصر ما وراء النرد.
