
ثمة افتراضٌ راسخ في وعي الإنسان المعاصر مفاده أن الحيوان كائن “مسالم” في أصله، وأن العنف والقتل يمثلان مجرد سلوكيات طارئة تفرضها الظروف البيئية أو الندرة الغذائية أو التهديدات الخارجية. غير أن التأمل العميق في البنية البايولوجية للكائنات الحية يكشف صورة مختلفة تمامًا؛ صورة تشير إلى أن القسم الأعظم من التصميم البايولوجي للحيوان لم يُبنَ أصلًا من أجل “الحياة” بمعناها الرومانسي الذي يتخيله الإنسان، بل من أجل مهمة أكثر بدائية وصرامة تتمثل في القتل والافتراس والسيطرة على المجال الحيوي وضمان استمرار الشفرة الوراثية بأعلى كفاءة ممكنة.
فالحيوان، من الفايروسات والمايكروبات وحتى القردة العليا، يبدو وكأنه صُمم بوصفه “آلة قتل نموذجية” فائقة الدقة، بحيث إن ما يقارب 89% من بنيته الوظيفية مكرّس بصورة مباشرة أو غير مباشرة لخدمة هذه المهمة المركزية. أما ما تبقى من تفاصيل بايولوجية وسلوكية، فلا يمثل سوى وظائف ثانوية مرتبطة بإظهار النوع واستمراره وتكاثره وانتشاره داخل المجال الحيوي lebensraum.
tمجرد النظر إلى تشريح الحيوان يكشف عن هذا المنطق العنيف المتغلغل في كل تفصيلة من تفاصيله. فالأسنان ليست مجرد أدوات مضغ، بل منظومات هندسية مصممة للتمزيق أو الطحن أو القبض أو الثقب بحسب طبيعة الفريسة. والمخالب ليست زوائد عشوائية، بل أدوات تثبيت وقتل وسلخ. وحتى العضلات والعظام والمفاصل قد جرى تصميمها بطريقة تحقق أعلى كفاءة ممكنة في التسارع والمطاردة والانقضاض والمراوغة واستهلاك أقل قدر من الطاقة أثناء عملية الصيد أو الهروب. فالطبيعة لا تسمح بالهدر؛ لأن أي استهلاك إضافي للطاقة قد يعني الموت جوعًا أو التحول إلى فريسة. كما أن الجهاز العصبي ذاته يكشف عن مركزية وظيفة القتل في التصميم البايولوجي؛ فالسرعة الهائلة في معالجة المعلومات الحسية، والانتباه المفرط للحركة، والاستجابة الانعكاسية شبه الفورية، كلها ليست من أجل “التأمل” أو “المعرفة” أو “اكتساب الحكمة”، بل هي من أجل تقليص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف وبين الفعل القاتل. وحتى العينان والأذنان والأنوف ليست مجرد أعضاء إدراك، بل رادارات ميدانية متخصصة بتحديد مواقع الفرائس أو المفترسات بأعلى دقة ممكنة.
ومن هنا يصبح من الصعب النظر إلى التطور البايولوجي بوصفه عملية تسعى إلى “الجمال” أو “الانسجام الأخلاقي” أو “السلام الطبيعي”، بقدر ما يبدو أقرب إلى سباق تسلح هائل ومفتوح بين آلات قتل تتطور بلا توقف. فكل تحسين في سرعة الفريسة يستدعي تحسينًا مقابلًا في سرعة المفترس، وكل تطور في التمويه يستدعي تطورًا في الرصد، وكل سمٍّ جديد يولد مقاومة مضادة. وهكذا تدخل الحياة بأسرها في سلسلة لانهائية من الحروب البايولوجية الدقيقة.
كما وأن هذا الأمر لا يقتصر على الحيوانات الكبيرة التي تثير في ذهن الإنسان صورة الدم والافتراس المباشر، بل يمتد حتى إلى الفايروسات والجراثيم والكائنات المجهرية. فالفايروس، على سبيل المثال، ليس سوى شفرة هجومية مصممة لاختراق الخلية والسيطرة على آلياتها وتحويلها إلى مصنع لإنتاج نسخ جديدة منه، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير الكائن المضيف نفسه. والبكتيريا بدورها تمتلك أسلحة كيميائية وسمومًا وآليات مقاومة ومنافسة تجعل العالم المجهري ساحة حرب لا تقل عنفًا عن عالم الأسود والذئاب. بل وحتى السلوكيات التي يفسرها الإنسان بوصفها “عاطفية” أو “اجتماعية” داخل عالم الحيوان، كثيرًا ما تكون مرتبطة بصورة غير مباشرة بمنطق البقاء والقتل والسيطرة. فالتحالفات داخل قطعان الذئاب، والتراتبية بين القردة العليا، وعروض القوة والهيمنة، ليست سوى أدوات لتنظيم العنف وتقليل كلفته وضمان توزيع القوة داخل الجماعة بما يخدم استمرارها التنافسي.
إن ما يسمى “الحياة” داخل الطبيعة ليس إذًا حالة سلمية تعرضت للعنف لاحقًا، بل هو نظام تنافسي قائم أصلًا على العنف المنظم، وعلى إعادة تدوير الموت باستمرار من أجل استمرار الحياة ذاتها. فالكائن الحي لا يعيش إلا لأن كائنًا آخر قد انسحب من معركة البقاء. وحتى النبات، الذي يبدو مسالمًا ظاهريًا، يخوض هو الآخر حروبه الخاصة عبر السموم الكيميائية والتنافس على الضوء والماء والتربة.
ومن هنا يمكن النظر إلى الكائن الحي بوصفه مشروعًا بايولوجيًا هدفه الأعلى ليس “الحياة” بحد ذاتها، بل الاستمرار الوراثي. فالفرد ليس سوى أداة مؤقتة تستعملها الشفرة الوراثية لكي تعبر الزمن وتحتل أكبر مساحة ممكنة من “المجال الحيوي” المتاح. ولذلك فإن معظم ما يُسمى “غرائز” و”شهوات” و”دوافع” و”خوف” و”عدوانية”، هي ليس سوى آليات برمجية صُممت بعناية فائقة لضمان نجاح آلة القتل هذه في أداء وظيفتها بأعلى كفاءة ممكنة.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى وخروجه من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، قد بدأ ينظر إلى نفسه وإلى الحيوان بعين أخلاقية ورمزية تحاول إخفاء هذه الحقيقة الخام. فبدل أن يرى في الحيوان آلة بقاء وقتل وانتشار، راح يُسقط عليه تصورات رومانسية عن البراءة والوداعة والانسجام الطبيعي، وكأن الطبيعة هي حديقة أخلاقية وليست ميدان صراع عالمي مفتوح.
لكن الطبيعة، في بنيتها العميقة، لا تعرف الرحمة ولا القسوة؛ حيث أنها تعرف الكفاءة فحسب. ولذلك فإن الحيوان لم يُصمم ليكون فيلسوفًا أو شاعرًا أو متأملًا، بل ليكون أداة شديدة الفاعلية في حرب الحياة الكبرى؛ وهي حرب لا تتوقف، ولا تعترف إلا بمن ينجح في القتل، أو النجاة من القتل، أو إعادة إنتاج ذاته قبل أن يفارق ساحة الحرب.
