برادايم التبسيط المخلّ… كيف يقودنا إدغار موران والجدول الدوري خارج شِباك “الجهل الاختزالي”؟

تعيش نظرية المنهج العلمي المعاصر مفارقة إبستمولوجية مرعبة. فكلما تضاعف وعينا بالتعقيد البنيوي لظواهر الوجود، من سيولة الوعي البشري إلى تشابك الأنظمة الكونية، اشتد لدى مؤسسة البحث السائدة سعيٌ محموم لاختزال هذا الوجود وقوننته في نماذج تبسيطية مخلّة. فالبحث العلمي يتحرك اليوم مدفوعاً بـ “إغواء اختزالي” يحاول جعل المقاربة المعرفية للكون تقتصر على بضعة عناصر معزولة، متوهماً أن تنحية التعقيد باعتباره “ضوضاء إحصائية” هو السبيل الوحيد لبناء المعرفة.
لكن هذا السلوك المعرفي ليس بريئاً؛ إنه آلية دفاعية سايكولوجية تنبع مباشرة من الهشاشة الإنسانية الكامنة. فالكائن البشري، بصفته الكيان الأكثر انكشافاً بايولوجياً ونفسياً أمام طبيعة لا ترحم، يرتعب من السيولة والتعقيد. هذا “الهلع الوجودي” يدفع المؤسسات العلمية الراهنة إلى اللياذ بـ “برادايم التبسيط”، بتعبير الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، كملجأ واقٍ يوهم الإنسان بالسيطرة التامة والقدرة المطلقة على التنبؤ. ومواجهة هذا الهلع تقتضي منا تدمير هذا الاختزال عبر دمج فكر موران المركّب مع الفلسفة الكامنة في الجدول الدوري لـ دميتري مندلييف، لتأسيس إبستمولوجيا تليق بتعقيد الظاهرة البشرية. فإدغار موران يرى أن الأزمة الراهنة لا تكمن في قلة المعلومات، بل في “المنهج العمى” الذي ينظمها. فلقد تأسس العلم الحديث على ثلاث ركائز تبسيطية قاتلة: العزل (Disjunction)، والاختزال (Reduction)، والخطية ((Linearity).هذا الثالوث يجبر الباحث على عزل الظاهرة عن سياقها، ثم تفكيكها إلى عناصرها الأولية، ثم الادعاء بأن العلاقة بين هذه العناصر هي مجرد علاقة سببية خطية بسيطة.
ولقد وجه موران هجمة شرسة ضد هذه النزعة المعرفية، واصفاً إياها بأنها تنتج “ذكاءً أعمى”. فعندما تحاول العلوم المعاصرة مقاربة الظاهرة الإنسانية في ردود أفعالها متعددة الطبقات تجاه التحديات، عبر عزل بُعد واحد (كالجين البايولوجي وحده، أو المصلحة الاقتصادية وحدها، أو الغريزة السلوكية)، فإنها تمارس نوعاً من الإعدام المعرفي للظاهرة. فالفكر المركب عند موران يذكرنا بالبديهية الغائبة التي مفادها “أن الكل ينطوي على خصائص لا توجد في الأجزاء المعزولة”.
ومن هنا، يصبح “الإغواء الاختزالي” سعياً لتبسيط الوجود بغرض تسليعه أو ترويضه، وهو ما يحول العلم من أداة لفهم الواقع إلى أداة لتزييفه هرباً من رعب هشاشتنا أمامه.
وهنا تلتقي فلسفة موران مع عبقرية المادة في الجدول الدوري مع طروحات كتاب Periodic Tales  (حكايات دورية) لهيو ويليامز. فقد يبدو الجدول الدوري لأول وهلة أداة اختزالية لأنه يختصر الكون في 118 لبنة أساسية، لكنه في العمق يمثل التجسيد المادي الأكمل لـ “المركّب المعقّد”.
فالجدول الدوري يعلّم فلسفة العلم درسين مركزيين يخرجانها من سجن التبسيط:
• أولاً: حتمية الانبثاق (Emergence): في الكيمياء، لا تعني الأبجدية المحدودة نصاً محدوداً. فالهيدروجين والأوكسجين غازان يشتعلان، لكن ارتباطهما البنيوي ينتج “الماء” الذي يطفئ النار. وهذا هو مفهوم “الانبثاق” الذي يلح عليه موران والذي ينص على اجتماع العناصر في نظام شبكي ينتج خواصاً جديدة تماماً لا يمكن التنبؤ بها عبر دراسة العناصر منفردة.
• ثانياً: النظام الشبكي لا العزل: فقيمة العنصر في جدول مندلييف لا تكمن في ذاته المعزولة، بل في “موقعه” الأفقي والعمودي، وفي “إمكانات روابطه”. فالظاهرة البشرية هي “جزيء كيميائي معقد” منبثق، وردود أفعالها تجاه الأزمات ليست عنصراً نقياً بل تركيب يتشكل ويتغير تبعاً لـ “طاقة التنشيط” والضغوط الخارجية.
وتتجلى النتيجة الكارثية لبرادايم التبسيط في مقاربتنا لتاريخ العلم وعلم المستقبل. فتاريخ العلم اليوم يُكتب بسردية خطية جافة تصوره كتراكم آلي للأفكار، متجاهلاً بذلك، “التاريخ الثقافي والأنثروبولوجي للمادة” الذي يستحضره كتاب Periodic Tales  (حكايات دورية) .فقد كان اكتشاف العناصر متشابكاً مع السحر، والسياسة، والجشع، والبحث الوجودي عن الخلود؛ أي أنه كان تعبيراً عن الهشاشة الإنسانية في تفاعلها الحار مع تعقد الكون.
وفي “علم المستقبل”، يقود الخوف من السيولة والمجهول إلى استخدام نماذج اختزالية تعتمد على المد الخطي لعناصر الحاضر (Linear Extrapolation)، وهو ما يجعل هذه العلوم تصاب بالعمى التام أمام التحولات الكبرى والمفاجئة.
ولكن كيف يصحح نموذج موران ومندلييف مسار استشراف المستقبل؟ يصححه عبر “فلسفة المربعات الفارغة”. فعندما صاغ مندلييف جدوله، ترك فراغات واعية تماماً وتنبأ بخصائص عناصر لم تقع عليها عين بشر بعد (كالغاليوم) بناءً على “هندسة النظام والعلاقات” وليس بناءً على تكرار المتاح. وهذا يعلم علم المستقبل أن يتوقع المجهول كـ “مركب منبثق معقد”، ناتج عن تفاعل عناصرنا البشرية المعروفة (الخوف، الوعي، الطموح) تحت تأثير ضغوط حرارية وتكنولوجية وبيئية جديدة، وليس مجرد امتداد ميكانيكي لعنصر أو عنصرين من الحاضر.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن إنقاذ المنهج العلمي المعاصر من شباك الإغواء الاختزالي يتطلب شجاعة إبستمولوجية تبدأ بالاقرار بهشاشتنا الإنسانية، والاعتراف بأن التعقيد ليس “عدواً تجب إبادته بالتبسيط”، بل هو طبيعة الوجود ذاته.
إن الدرس المشترك بين “الفكر المركب” لإدغار موران والهندسة العبقرية للجدول الدوري هو أن الوجود شفرة مكونة من أبجدية رصينة وثابتة (العناصر)، لكن حقيقته وروعته وقدرته على البقاء تكمن في “النثر اللامتناهي والقصص المعقدة” (المركّبات) التي يكتبها البشر والكون في كل لحظة. إننا بحاجة إلى علم لا يكتفي بعدّ اللبنات وعزلها، بل يحتفي بالروابط والمعادلات الحية التي تجعل من تلاحمها كلاً معقداً، عصياً على التبسيط المخل. فنحن بحاجة ملحة لقفزة معرفية ترقى بنا مما نحن عليه من إبستمولوجيا قائمة على العزل الى أخرى قائمة على الترابط.

أضف تعليق