الإنسان لا يتذكر الوقائع بل القصص التي تُروى حولها

من أكثر الأوهام رسوخًا في الوعي الإنساني الاعتقاد بأن الحقيقة، بمجرد ظهورها، تمتلك القدرة تلقائيًا على فرض نفسها على العقول. وكأن الإنسان كائن عقلاني خالص، ما إن يواجه الوقائع حتى يخضع لها مباشرة. غير أن تاريخ البشرية، قديمه وحديثه، يكشف شيئًا مختلفًا تمامًا؛ فالناس لا يتحركون غالبًا بما هو “أصدق”، بل بما هو “أكثر قابلية للتأويل والتمثل”. ولذلك فإن التفسير، في كثير من الأحيان، يمتلك سلطة تفوق الحقيقة نفسها.
فالإنسان لا يعيش داخل الوقائع المجردة، بل داخل القصص التي ينسجها حول هذه الوقائع. فالحدث، مهما كان واضحًا، لا يدخل الوعي البشري بوصفه معطًى خامًا، بل بوصفه مادة قابلة لإعادة الصياغة والتأويل والإدماج داخل بنية رمزية أوسع. ومن هنا فإن المعركة الحقيقية بين البشر لم تكن يومًا حول الوقائع وحدها، بل حول “معنى” هذه الوقائع.
ولهذا السبب تستطيع حضارتان النظر إلى الحدث نفسه والخروج بصورتين متناقضتين تمامًا عنه. وتستطيع جماعتان امتلاك المعلومات ذاتها ثم الوصول إلى استنتاجات متنافرة جذريًا. لأن الإنسان لا يستقبل الحقيقة مباشرة، بل من خلال شبكة من التمثّلات السابقة التي تعيد تشكيلها قبل أن تستقر في وعيه. وهنا يظهر فائض التمثّل بوصفه القوة الخفية التي تجعل التأويل ينتصر دائمًا على الحقيقة العارية. فالإنسان لا يكتفي بما حدث، بل يريد أن يعرف لماذا حدث، وماذا يعني، وكيف ينبغي إدخاله ضمن قصة كبرى تمنحه الإحساس بالاتساق والمعنى.
فالوقائع وحدها باردة وصامتة، أما التأويل فيمنحها الحياة. ولهذا فإن البشر لا يتذكرون غالبًا “ما جرى”، بل الرواية التي قيلت لهم عما جرى.
ولعل هذا هو ما يفسر القوة الهائلة للأساطير والأيديولوجيات والسرديات القومية والسياسية. فهذه كلها لا تنجح لأنها تقدم وقائع جديدة بالضرورة، بل لأنها تمنح الإنسان إطارًا تفسيريًا يستطيع من خلاله أن يرى العالم بوصفه قصة مفهومة. فالإنسان لا يحتمل العيش داخل فوضى من الأحداث المتناثرة، ولذلك يسارع إلى تحويلها إلى سردية مترابطة حتى لو اضطر إلى تشويه أجزاء من الحقيقة في سبيل الحفاظ على تماسك المعنى.
إن العقل البشري، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، لم يعد يتعامل مع المعرفة بوصفها انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل بوصفها بناءً تأويليًا. ولهذا فإن الإنسان لا يطلب الحقيقة فقط، بل يطلب تفسيرًا يستطيع أن يسكن داخله نفسيًا ووجوديًا.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تفشل الحقائق أحيانًا في تغيير القناعات، بينما تنجح قصة بسيطة أو صورة رمزية أو خطاب عاطفي في تحريك جماهير كاملة. فالعقل البشري لا يتحرك بالوقائع المجردة وحدها، بل بالمعاني التي تُربط بهذه الوقائع.
ولعل هذا هو ما يجعل التاريخ البشري، في جانب كبير منه، تاريخًا لصراع التأويلات أكثر مما هو صراع حول الحقائق ذاتها. فالحروب، والثورات، والعقائد، والانقسامات الحضارية، كثيرًا ما كانت تدور حول “كيف ينبغي فهم العالم”، وليس حول العالم نفسه.
إن الإنسان لا يرى الحدث بوصفه حدثًا فقط، بل بوصفه إشارة أو تهديدًا أو وعدًا أو انتصارًا أو خيانة أو خلاصًا. ومن هنا تتحول الوقائع إلى رموز، وتصبح الحقيقة مادة خام لإنتاج الهوية والانتماء والصراع.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان غالبًا لا يدرك أنه يعيش داخل تأويلاته الخاصة. فهو يتعامل مع تفسيره للعالم كما لو كان هو العالم نفسه. ولذلك فإن أكثر الصراعات الفكرية حدةً تنشأ حين يختلط الواقع بالرواية التي صاغها الإنسان حول الواقع.
إن الإنسان، بهذا المعنى، لا يستطيع العيش داخل عالم بلا تفسير. وحتى العلم، الذي يُفترض أنه المشروع الأكثر تحررًا من السرديات، لا ينجو من هذه القاعدة. فالمعادلات نفسها تُقرأ داخل أطر فلسفية ووجودية مختلفة، والحقائق العلمية تتحول سريعًا إلى مادة للصراع الأيديولوجي والثقافي.
ولعل فيزياء الكم تمثل مرة أخرى نموذجًا صارخًا لذلك. فالمعادلات واحدة، لكن تأويلاتها لا تنتهي. لأن الإنسان لا يكتفي بفهم كيفية عمل العالم، بل يريد أن يعرف “ماذا يعني” هذا العالم له هو.
وهنا يتضح أن الحاجة إلى التفسير هي ليست خللًا طارئًا، بل هي جزء من البنية العميقة للعقل البشري. فالإنسان لا يواجه العالم مباشرة، بل من خلال طبقات من اللغة والرمز والثقافة والذاكرة والانفعال. ولذلك فإن الحقيقة الخالصة تكاد تكون غير قابلة للعيش إن لم تتحول إلى قصة. فالوقائع وحدها لا تمنح الإنسان الطمأنينة، أما السردية فتفعل. ولهذا يفضّل الإنسان أحيانًا تفسيرًا خاطئًا يمنحه الاتساق النفسي على حقيقة صحيحة تتركه في الفراغ والارتباك.
ومن هنا نفهم لماذا ينتصر التأويل كثيرًا حتى على أكثر الحقائق وضوحًا. فالإنسان لا يبحث عن الدقة فحسب، بل عن المعنى، ولا يريد أن يعرف فحسب، بل أن يشعر أن ما يعرفه يمكن إدخاله ضمن صورة كلية للعالم.
إن العقل البشري لا يعمل كآلة تسجيل محايدة، بل كآلة لصناعة السرديات. فهو يعيد ترتيب الوقائع، ويختار ما ينسجم مع قصته الداخلية، ويمنح الأحداث دلالات تتجاوزها، ثم ينسى لاحقًا أن هذه الدلالات من صنعه هو.
وهكذا، فإن الحقيقة في ذاتها لا تكفي كي تنتصر. لأنها تحتاج دائمًا إلى وسيط تمثّلي يترجمها إلى قصة قابلة للفهم والتداول والانتماء. ومن هنا فإن القوة الحقيقية في التاريخ لم تكن دائمًا لمن امتلك الوقائع، بل لمن امتلك القدرة على تفسيرها.
ولعل هذا هو أحد أخطر تجليات فائض التمثّل والمتمثل في كون الإنسان لا يعيش داخل الحقيقة مباشرة، بل داخل التأويل الذي يمنحه القدرة على احتمال الحقيقة. ولذلك فإن التفسير ينتصر دائمًا… لأن الإنسان، في نهاية المطاف، كائن “قصصي” أكثر مما هو كائن “واقعي”.

أضف تعليق