التقييم النفسي قبل الزواج حصانة ووقاية

من أكثر المفارقات إثارةً للتأمل في المجتمعات البشرية المعاصرة أن المجتمع أصبح يُخضع الراغبين في الزواج لسلسلة طويلة من الفحوصات الطبية والوراثية الدقيقة، حرصًا على سلامة الأجساد وصحة الذرية، لكنه في المقابل يتغافل بصورة شبه كاملة عن فحص الجانب الذي قد يكون الأكثر تأثيرًا في نجاح العلاقة أو انهيارها، والمتمثل في الأهلية النفسية والعقلية والسلوكية للطرفين.
فالإنسان الحديث بات يدرك خطورة الأمراض الوراثية والمشكلات الصحية المزمنة، ولذلك يطالب الرجل والمرأة بإجراء تحاليل وفحوصات تهدف إلى الكشف المبكر عن احتمالات انتقال الأمراض أو ظهور التعقيدات الصحية مستقبلاً. غير أن المفارقة تكمن في أن كثيرًا من الزيجات التي تفشل أو تتحول إلى ساحات صراع نفسي وعاطفي مدمّر لا يكون سببها خللًا جسديًا أو جينيًا، بل اضطرابات في البنية النفسية أو ضعفًا في النضج العقلي والانفعالي أو اختلالًا عميقًا في القدرة على إدارة العلاقة الأسرية نفسها.
ومن هنا يبرز سؤال شديد الأهمية: كيف يقبل الإنسان بفحص الدم والجينات والهرمونات قبل الزواج، لكنه لا يرى ضرورة لفحص الاستعداد النفسي والعقلي لتحمل واحدة من أعقد العلاقات الإنسانية وأكثرها احتكاكًا واستنزافًا للطاقة النفسية؟
إن الزواج ليس مجرد اقتران جسدين، بل هو احتكاك يومي طويل الأمد بين عالمين نفسيين كاملين؛ بين مخاوف وتصورات وعُقد وتوقعات وأنماط تفكير وطرائق تعبير وانفعالات متراكمة تشكلت عبر سنوات طويلة من التربية والتجارب والصدمات والتأثر بالمحيط. ولذلك فإن شخصًا يعاني من اضطرابات غضب حادة، أو نرجسية مفرطة، أو هشاشة انفعالية، أو نزعة تسلطية، أو عجز عن التواصل، قد يكون أكثر خطرًا على استقرار الحياة الزوجية من كثير من الأمراض الجسدية التي يجري الفحص عنها بصورة اجبارية.
بل أن كثيرًا من الخلافات الزوجية التي تنتهي بالطلاق لا تنشأ فجأة بعد الزواج، وإنما تكون كامنة منذ البداية داخل البنية النفسية للطرفين، غير أن غياب أي تقييم حقيقي للأهلية النفسية يجعل هذه الاختلالات تمر دون انتباه حتى تبدأ بالانفجار التدريجي تحت ضغط الاحتكاك اليومي والمسؤوليات والضغوط الاقتصادية والتربوية والعاطفية.
ولعلّ ما يزيد خطورة هذا التغافل أن المجتمعات كثيرًا ما تتعامل مع الصحة النفسية وكأنها أمر ثانوي أو وصمة اجتماعية، في حين أنها قد تكون العامل الحاسم في تحديد مصير الأسرة بأكملها. فكم من شخص يبدو طبيعيًا اجتماعيًا في اللقاءات العابرة، لكنه عاجز تمامًا عن بناء علاقة مستقرة طويلة الأمد؟ وكم من إنسان يمتلك قدرًا عاليًا من النجاح المهني أو الثقافي، لكنه يفتقر إلى أبسط مهارات الاحتواء العاطفي أو إدارة الخلاف أو احترام الحدود النفسية للطرف الآخر؟
ومن هنا فإن الحديث عن “الفحص النفسي قبل الزواج” لا ينبغي أن يُفهم بوصفه محاولة لإقصاء الناس أو التنقيب القسري داخل حياتهم الخاصة، بل باعتباره خطوة وقائية عقلانية شبيهة بالفحص الطبي نفسه. فالغاية ليست إصدار أحكام أخلاقية على الأشخاص، وإنما الكشف المبكر عن أنماط قد تؤدي مستقبلًا إلى علاقات مؤذية أو غير قابلة للاستقرار.
وقد يشمل هذا التقييم جوانب متعددة؛ مثل القدرة على ضبط الانفعال، والاستعداد لتحمل المسؤولية، ومستوى النضج العاطفي، والقدرة على التواصل، واحترام الخصوصية، وطريقة التعامل مع الضغوط، ومدى الميل إلى العنف أو السيطرة أو التلاعب النفسي. كما يمكن أن يساعد في كشف التوقعات غير الواقعية التي يحملها الطرفان عن الزواج، والتي تتحول لاحقًا إلى مصدر دائم للإحباط والصدام.
والأهم من ذلك أن هذا النوع من التقييم لا يهدف فقط إلى حماية الزوجين، بل إلى حماية الأطفال أيضًا. فالطفل الذي ينشأ داخل بيئة مشحونة بالصراع النفسي والعنف والانهيار العاطفي غالبًا ما يحمل آثار ذلك معه طوال حياته، لتنتقل الأزمات النفسية من جيل إلى جيل بصورة تكاد تصبح نمطًا اجتماعيًا متكررًا.
إن المجتمعات التي تنفق جهودًا هائلة على علاج آثار الطلاق والتفكك الأسري والعنف المنزلي، قد يكون من الأجدى لها أن تستثمر جزءًا من هذا الجهد في الوقاية المبكرة، عبر نشر ثقافة الوعي النفسي وإعادة تعريف مفهوم “الجاهزية للزواج”. فالأهلية الحقيقية للحياة الزوجية لا تُقاس فقط بسلامة الجسد أو القدرة الاقتصادية، بل بمدى قدرة الإنسان على العيش المشترك دون أن يحول العلاقة إلى ساحة استنزاف نفسي دائم.
ولعلّ واحدًا من أكبر الأخطاء التي وقع فيها الإنسان المعاصر أنه تعامل مع الزواج بوصفه عقدًا اجتماعيًا أو رغبة عاطفية أو ضرورة بايولوجية فحسب، بينما أغفل أنه اختبار نفسي بالغ التعقيد، لا ينجح فيه بالضرورة الأكثر جمالًا أو ثراءً أو ثقافة، بل الأكثر اتزانًا وقدرةً على إدارة ذاته قبل إدارة علاقته بالآخر.

أضف تعليق