
تُعَدّ الغيرة واحدةً من أكثر الظواهر البشرية تعقيدًا وإثارةً للالتباس، وذلك لأنها تقع عند نقطة تماس شديدة الحساسية بين الطبيعة والتمثّل، وبين الوظيفة البايولوجية والانفلات النفسي، وبين ما اقتضته سُنّة النوع من تنظيمٍ للعلاقات داخل المجال الحيوي، وبين ما انتهى إليه الإنسان بعد خروجه من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل” من تضخمٍ مرضي في الانفعالات والتوقعات والهواجس. ولعلّ ما جعل هذا الموضوع من أكثر الموضوعات التي جرى التغاضي عنها أو الاقتراب منها بحذر شديد، هو أنه يمس بصورة مباشرة واحدة من أعمق مناطق الهشاشة عند الإنسان، أي خوفه من الفقد، ومن الاستبدال، ومن فقدان الامتياز العاطفي أو الجنسي أو الرمزي الذي يتوهم امتلاكه داخل علاقاته مع الآخرين.
فالغيرة، في أصلها الحيواني، لم تكن ظاهرةً أخلاقية ولا رومانسية ولا تعبيرًا عن “الحب” بالمعنى الذي يتصوره الإنسان الحديث، بل كانت جزءًا من منظومة تنظيمية دقيقة عملت الطبيعة على ترسيخها عبر ملايين السنين لضبط حركة النوع وانتشاره داخل مجاله الحيوي. فالكائنات الحية لا تستطيع البقاء إذا ما تكدست في مساحة ضيقة، ولذلك اقتضت سُنّة الطبيعة تفعيل آليات متعددة تدفع أفراد النوع الواحد إلى “التباعد النسبي”، سواء عبر العدوان المنضبط، أو التنافس على الموارد، أو النزاعات المرتبطة بالتزاوج والسيطرة والمجال الحيوي.
ومن هنا يمكن فهم الغيرة الحيوانية بوصفها جزءًا من هذه المنظومة التنظيمية الكبرى؛ فهي ليست “عذابًا نفسيًا” كما عند الإنسان، ولا هوسًا دائمًا بالاحتمالات والتأويلات والسيناريوهات، بل استجابة وظيفية محدودة ومباشرة ترتبط بسياقات آنية تتصل بالتناسل أو الحماية أو المنافسة داخل المجال الحيوي. والحيوان، مهما بدا عدوانيًا أو تنافسيًا، لا يعيش داخل اقتصاد هائل من التصورات والشكوك والافتراضات التي تلتهم وعيه ليلًا ونهارًا. فهو لا يخلق لنفسه مسارح كاملة من الخيانات المتخيلة، ولا ينهار بسبب صورة ذهنية أو احتمال أو رسالة مؤجلة أو نظرة عابرة أو مقارنة رمزية مع منافس متوهم.
غير أن الأمر تغيّر جذريًا عند الإنسان بعد الانعطافة التطورية الأولى؛ أي بعد خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل. فمنذ تلك اللحظة لم تعد الغيرة مجرد آلية تنظيمية محدودة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر ساحات فائض التمثّل قدرةً على تدمير الفرد والنوع معًا. فالإنسان لم يعد يغار مما يراه فقط، بل مما يتخيله ويتوقعه ويتوهمه، ويعيد تأويله بصورة لا نهائية. وهنا بالتحديد تبدأ المأساة. فالمرأة، على سبيل المثال، قد تقع ضحيةً لسلسلة كاملة من التصورات التي ينسجها فائض التمثّل داخلها، فتبدأ في قراءة الإشارات العابرة، والنظرات، والتصرفات اليومية، والصمت، والتأخر، والانشغال، بوصفها “أدلة” على احتمال انصراف الرجل عنها أو تعلقه بامرأة أخرى. ومع الوقت لا يعود الخطر الحقيقي هو ما يحدث فعلاً، بل ما ينتجه العقل من سيناريوهات تتغذى على الخوف والقلق والتوقعات. وهذا هو عين ما يحدث للرجل أيضًا، إذ قد يتحول إلى كائن مطارد بالهواجس، يراقب ويشك ويؤول ويستنتج بصورة مرضية، حتى يصبح أسيرًا لعالم كامل من التمثّلات التي قد لا تكون لها أي علاقة بالواقع.
ومن هنا انفلت عقد الغيرة عند الإنسان كما انفلت عقد العدوان. فالطبيعة كانت قد وضعت لهذه الانفعالات حدودًا وظيفية دقيقة تخدم النوع ضمن اقتصادها الصارم القائم على الحد الأدنى من الهدر. أما الإنسان، وبعد تضخم جهازه التمثّلي، فقد أخذ هذه الانفعالات إلى مناطق لم تكن الطبيعة تقصدها أصلًا. وهكذا تحولت الغيرة من وسيلة تنظيمية محدودة إلى فعالية مدمرة تستنزف الأعصاب والطاقة والوعي والعلاقات الاجتماعية، بل وقد تنتهي أحيانًا إلى القتل والانتحار والتدمير الكامل للحياة الأسرية والاجتماعية.
ولعلّ أخطر ما في الغيرة البشرية أنها كثيرًا ما تُقدَّم ثقافيًا بوصفها دليلًا على “عمق الحب”، بينما قد تكون في حقيقتها تعبيرًا عن خوف مرضي من الفقد، أو عن هشاشة داخلية، أو عن عجز الإنسان عن ضبط فائض التمثّل الذي يدفعه باستمرار إلى تحويل الاحتمالات إلى يقين، والظنون إلى وقائع، والهواجس إلى حقائق نفسية يعيش داخلها كما لو كانت واقعًا موضوعيًا.
ومن هنا ظهرت تلك العبارة الشهيرة: “الغيرة القاتلة”، أو “من الحب ما قتل”، بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن التحالف الخطير الذي نشأ داخل الإنسان بين الغيرة المنفلتة والعدوان غير المنضبط. فحين يتضخم فائض التمثّل، ويتحول الآخر إلى “ملكية رمزية” يخشى الإنسان فقدانها، يصبح الانتقال من الحب إلى التدمير انتقالًا ممكنًا للغاية. ولذلك لم يكن غريبًا أن تنتهي كثير من العلاقات الإنسانية إلى ما يُعرف بـ “جرائم العاطفة” أو Crimes of Passion، حيث يتحول العشق ذاته إلى بوابة للعنف والقتل والانتقام.
وهنا تظهر المفارقة الميتابايولوجية الكبرى: فالإنسان، الذي ظن أنه ارتقى فوق الحيوان بفضل اللغة والوعي والخيال والتمثّل، انتهى في كثير من الأحيان إلى إنتاج أشكال من المعاناة والانهيار لم يكن الحيوان يعرفها أصلًا. فالحيوان قد يقاتل ضمن حدود الحاجة والوظيفة، لكنه لا يعيش داخل جحيم نفسي دائم من الشكوك والتأويلات والهواجس والسيناريوهات المتخيلة. أما الإنسان فقد أصبح، بفعل فائض التمثّل، قادرًا على تحويل الحب نفسه إلى مصدر للرعب والاختناق والدمار.
وهكذا تبدو الغيرة الإنسانية مثالًا صارخًا آخر على الكيفية التي تحولت بها بعض الآليات الطبيعية المحدودة، بعد الانعطافة التطورية الأولى، إلى قوى منفلتة تجاوزت سياقها الوظيفي الأصلي، لتدخل الإنسان في اقتصاد هائل من المعاناة النفسية والهدر الوجداني والعدوان غير المنضبط، الأمر الذي يكشف مرة أخرى أن المشكلة الكبرى لم تعد في الطبيعة ذاتها، بل في الكائن الذي خرج من اقتصادها البسيط إلى عالم فائض التمثّل الذي لا يعرف الاكتفاء ولا الحدود.
