
من أكثر السلوكيات البشرية شيوعًا وتجذرًا ذلك الميل الغريب إلى الاستهزاء بالآخر؛ سواء كان هذا الآخر شخصًا مختلفًا في هيئته، أو فكرته، أو لغته، أو طريقته في العيش، أو حتى في نوع العمل الذي يمارسه. ولعلّ ما يجعل هذه الظاهرة أكثر إثارة للتأمل أنها لا تبدو سلوكًا طارئًا أو مرتبطًا بثقافة بعينها أو ظرف اجتماعي محدد، بل تكاد تظهر بوصفها نزعة إنسانية عابرة للأعراق والأديان والطبقات والمستويات التعليمية والاقتصادية. فالإنسان، منذ طفولته المبكرة، يُظهر استعدادًا واضحًا للسخرية من المختلف، حتى قبل أن يكون قد خضع بصورة كاملة لعمليات التنشئة الاجتماعية أو التأثر المعقد بالبيئة المحيطة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يستهزئ بعض الناس بالآخرين؟ بل: لماذا يبدو الاستهزاء جزءًا أصيلًا من البنية النفسية للإنسان نفسه؟
إن الإنسان، بعد خروجه من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، لم يعد يتعامل مع العالم بوصفه مجموعة وقائع محايدة، بل صار يعيش داخل شبكة كثيفة من الصور الذهنية والتوقعات والتصورات المسبقة عن “ما ينبغي أن يكون عليه الشيء”. ومن هنا أصبح العقل البشري ميّالًا بصورة متزايدة إلى إنتاج نماذج معيارية يتوهم أنها تمثل “الصيغة الصحيحة” للإنسان أو السلوك أو الفكر أو الجمال أو النجاح أو الحقيقة. وحين يظهر شخص أو فكرة أو نمط حياة يخالف هذه الصورة المسبقة، يشعر العقل البشري بنوع من الاضطراب الداخلي، لأن وجود المختلف يهدد التوازن التمثّلي الذي بناه الإنسان داخل وعيه. وهنا يظهر الاستهزاء بوصفه آلية دفاعية وعدوانية في آنٍ واحد. فالإنسان لا يكتفي غالبًا برفض المختلف، بل يسعى إلى تحقيره والسخرية منه، لأن السخرية تؤدي وظيفة نفسية عميقة تتمثل في تقليص التهديد الذي يمثله وجود الآخر المخالف. فحين ينجح الإنسان في تحويل المختلف إلى مادة للهزء والاستخفاف، فإنه يشعر ضمنيًا بأنه أعاد تثبيت عالمه التمثّلي ومنح نفسه شعورًا بالتفوق والسيطرة. ومن هنا يمكن فهم سبب اقتران الاستهزاء، في كثير من الأحيان، بالشعور الجماعي؛ إذ تميل الجماعات البشرية إلى السخرية من الغرباء أو الأقليات أو أصحاب الأفكار غير المألوفة، لأن ذلك يعزز تماسك الجماعة ويخفف من القلق الذي يولده الاختلاف.
ولذلك فإن الاستهزاء لا يكون موجّهًا دائمًا نحو “الضعيف” فقط، بل قد يُوجَّه أيضًا نحو العبقري والمبدع وصاحب الفكرة الجديدة. فالتاريخ الإنساني مليء بحالات تعرّض فيها العلماء والمفكرون والفنانون للسخرية قبل أن تتحول أفكارهم لاحقًا إلى حقائق أو منجزات عظيمة. ذلك لأن العقل البشري، في كثير من الأحيان، لا يتعامل مع الجديد بوصفه فرصة للفهم، بل بوصفه تهديدًا للاستقرار الرمزي الذي اعتاد عليه.
ومن اللافت أن هذا الميل إلى الاستهزاء يظهر حتى في أكثر المجتمعات ادعاءً للتسامح والتحضر. فالمجتمعات الحديثة، رغم خطابها المكثف عن الحرية والتعددية، ما تزال تمارس أشكالًا هائلة من السخرية الجماعية؛ سواء عبر الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي أو الثقافة الشعبية أو حتى داخل المؤسسات التعليمية والأكاديمية. بل إن التكنولوجيا الحديثة قد ضاعفت من هذه النزعة، إذ أصبح الاستهزاء اليوم يُمارس بصورة جماعية وفورية وعابرة للقارات، بحيث يمكن لحشود كاملة أن تتحول خلال ساعات إلى آلة ضخمة للسخرية من شخص واحد أو فكرة واحدة.
وهنا تتكشف مفارقة شديدة العمق: فالإنسان الذي يظن نفسه كائنًا عقلانيًا متسامحًا، ما يزال يحمل في داخله بنية بدائية شديدة العدوانية تجاه المختلف. غير أن هذه العدوانية لم تعد تُمارس دائمًا عبر العنف الجسدي المباشر، بل عبر العنف الرمزي والتمثّلي؛ أي عبر السخرية والتحقير والتقليل من القيمة الوجودية أو الفكرية للآخر.
ولعلّ الأخطر في ظاهرة الاستهزاء أنها كثيرًا ما تتخفى وراء أقنعة أخلاقية أو فكرية براقة. فالإنسان قد يقنع نفسه بأنه “يمارس النقد” أو “يحارب الجهل” أو “يدافع عن الحقيقة”، بينما يكون مدفوعًا، في العمق، بحاجة نفسية إلى تحطيم ما يربك منظومته التمثّلية. ومن هنا فإن كثيرًا من السخرية البشرية لا يكون هدفها البحث عن الحقيقة، بل التخلص من القلق الذي يسببه وجود المختلف.
وهذا ما يفسر لماذا يصعب على الإنسان، في كثير من الأحيان، أن يواجه الأفكار المخالفة بهدوء وموضوعية. فمجرد وجود رأي مختلف قد يُفعّل داخل العقل حالة من التوتر التمثّلي تدفع صاحبها إلى السخرية أو التهكم أو التشويه، فهذه الوسائل تمنحه شعورًا سريعًا بالانتصار النفسي دون الحاجة إلى خوض مواجهة معرفية حقيقية.
إن الاستهزاء، بهذا المعنى، ليس مجرد سلوك اجتماعي سيئ، بل هو نافذة تكشف مقدار هشاشة الإنسان أمام الاختلاف. فالكائن الواثق من رؤيته لا يحتاج دائمًا إلى السخرية من الآخرين، أما الكائن الذي يخشى انهيار عالمه التمثّلي فإنه يلجأ بصورة شبه غريزية إلى تحويل المختلف إلى موضوع للأستهزاء والتندر، وكأن الضحك هنا يصبح محاولة يائسة لإخماد القلق الذي أيقظه وجود الآخر.
ومن هنا يمكن القول إن ظاهرة الاستهزاء تمثل واحدة من أوضح العلامات على أن الإنسان، رغم كل ما حققه من تقدم حضاري وتقني، لا يزال كائنًا مأزومًا في علاقته بالاختلاف، وأن فائض التمثّل الذي أنتجه عقله لم يحرره من العدوانية، بل أعاد إنتاجها في صورة أكثر تعقيدًا ودهاءً وأشد التصاقًا باللغة والرموز والوعي ذاته.
