جسم الإنسان بوصفه أرشيفًا تطوريًا… الأثرية البايولوجية وانهيار أوهام المنطق البشري

يحاول الإنسان، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة البسيط إلى عالم فائض التمثّل، أن يُخضع قوانين الطبيعة لمنطقه الذاتي، لا أن يُخضع منطقه لقوانين الطبيعة ذاتها. ومن هنا نشأت تلك النزعة المستمرة إلى إعادة تفسير البنية البايولوجية للكائن البشري وفق تصورات الإنسان عن “الوظيفة” و ”العدالة” و”الكمال” و”الغاية”، بدل الاكتفاء بملاحظة الكيفية التي اختارت بها الطبيعة أن تُعبّر عن نفسها عبر ملايين السنين من الاصطفاء والنشوء والارتقاء. ولعلّ واحدة من أكثر القضايا التي تكشف حدود المنطق البشري أمام صرامة اقتصاد الطبيعة هي ظاهرة “الأثرية البايولوجية”؛ أي بقاء أعضاء أو سمات أو تراكيب لم تعد تمتلك الوظيفة المركزية التي كانت تمتلكها في الماضي التطوري، لكنها تستمر في الوجود لأنها لا تمثل عبئًا كافيًا يدفع الطبيعة إلى إلغائها كليًا، أو لأنها ما تزال تحمل آثار تاريخ تطوري طويل لا يمكن محوه دفعة واحدة.
ولعلّ ثدي الرجل كان مثالًا واضحًا على ذلك، إذ بقي بوصفه أثرًا لتاريخ تطوري مشترك بين الذكر والأنثى، رغم انتفاء وظيفته الفيسيولوجية المباشرة عند الذكر. غير أن هذا المثال لا يقف وحده، بل يمكن توسيع دائرته عبر أمثلة أخرى لا تقل وضوحًا ودلالة، تكشف جميعها أن الطبيعة لا تعمل وفق المثاليات الذهنية التي يحب الإنسان أن يتصورها، بل وفق اقتصاد صارم شديد البرودة، لا يسمح بالإنفاق إلا في الحدود الدنيا اللازمة لتحقيق أهداف النوع واستمراره.
ومن أبرز هذه الأمثلة أظافر اليدين والقدمين عند الإنسان. فهذه الأظافر لم تنشأ عبثًا، ولم تُخلق بوصفها زينة جمالية كما يتوهم الإنسان المعاصر، بل تمثل امتدادًا تطوريًا لبنية كانت تؤدي وظائف أكثر أهمية عند الأسلاف الحيوانيين الذين انحدر منهم الإنسان عبر تاريخه التطوري الطويل. فالمخالب والأظافر كانت أدوات مرتبطة بالتسلق، والتمسك، والافتراس، والدفاع، وشقّ اللحم، والحفر، والسيطرة على البيئة المحيطة. ومع تطور الإنسان وخروجه التدريجي من نمط الحياة الحيواني المباشر، تراجعت الحاجة الوظيفية إلى هذه الأظافر بوصفها أدوات بقاء مركزية، غير أنها لم تختفِ تمامًا، بل بقيت كأثر بايولوجي يذكّر الإنسان بماضيه التطوري الذي يحاول كثيرون إنكاره أو القفز فوقه. والأهم من ذلك أن بقاء هذه الأظافر اليوم لم يعد يمثل ميزة صافية للإنسان، بل أصبح في كثير من الأحيان عبئًا وظيفيًا وصحيًا؛ فهي توفر بيئة مناسبة لتراكم الأوساخ والجراثيم والفيروسات والطفيليات، خصوصًا عند إهمال تنظيفها أو قصّها. بل إن الإنسان بات مضطرًا بصورة دورية إلى تقليمها والتخلص من نموها المستمر، لأنها لم تعد منسجمة مع نمط حياته الحالي كما كانت منسجمة مع حياة أسلافه الأكثر قربًا من العالم الحيواني. ومن هنا تظهر المفارقة العميقة: فلو كان الإنسان قد خُلق خلقًا مستقلًا منفصلًا عن أي ماضٍ تطوري، لكان من الأجدر منطقيًا ألا يمتلك أصلًا هذه البنية التي تتطلب صيانة مستمرة رغم انتفاء فائدتها الحالية. غير أن الطبيعة لا تعمل وفق “ما يبدو أجدر” للعقل البشري، بل تحتفظ بآثار تاريخها الطويل ما دامت لا تمثل تكلفة كبرى تهدد بقاء الكائن.
أما المثال الثاني، والأشد حساسية بسبب ما أُلصق به من حمولات ثقافية وإيديولوجية هائلة، فهو بظر الأنثى. فهذا العضو، شأنه شأن ثدي الرجل، يكشف مرة أخرى كيف تعمل الطبيعة وفق اقتصاد صارم لا يعرف فائض التمثّل الذي يغرق فيه الإنسان الحديث. فالبظر والعضو الذكري يشتركان في أصل تطوري جنيني واحد؛ إذ يبدأ التكوين الجنيني ببنية محايدة مشتركة، ثم يتحدد المسار لاحقًا تبعًا للأوامر الهرمونية التي تصدر أثناء النمو. فإذا جاء التنشيط الهرموني الذكري تطورت هذه البنية إلى عضو ذكري كامل، وإذا لم يصدر هذا التنشيط بقي الأصل المحايد على حاله في صورة بنية محدودة النمو والتطور.
وهنا تتجلى صرامة اقتصاد الطبيعة بأوضح صورها؛ فبدل أن “تنفق” الطبيعة موارد إضافية لتطوير عضو مماثل للعضو الذكري عند الأنثى دون حاجة وظيفية مباشرة مرتبطة بالتناسل، فإنها تُبقي الأصل الجنيني في حدوده الدنيا، وبما ينسجم مع منطق الترشيد البايولوجي وتقليل الصرف إلى أدنى مستوى ممكن. فالطبيعة، بوصفها منظومة عمياء لا تعرف فائض الخيال البشري، ولا تعمل بمنطق “الإثراء الوجداني” أو “تعظيم اللذة”، بل بمنطق الكفاءة الاقتصادية البحتة التي تضمن استمرار النوع بأقل تكلفة ممكنة.
ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين ما تفرضه الطبيعة بوصفه استجابة وظيفية مرتبطة باستمرار النوع، وبين ما أضافه الإنسان لاحقًا من طبقات فائض التمثّل. فالحيوان، حين يمارس ما يلزم للتناسل، فإنه لا يفعل ذلك بوصفه مشروعًا فلسفيًا أو بحثًا عن “المتعة” بالمعنى الإنساني المتضخم، بل استجابةً لبرامج بايولوجية قاهرة لا يملك تعطيلها أو التمرد عليها. أما الإنسان، وبعد الانعطافة التطورية الأولى وخروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، فقد أعاد تحميل الفعالية الجنسية بطبقات هائلة من الرموز والأوهام والتصورات والانفعالات التي لم تعد مرتبطة مباشرة بمنطق النوع أو استمراره.
ولذلك فإن تحويل بظر الأنثى إلى “برهان” على أن الطبيعة سعت عمدًا إلى ترسيخ اللذة بوصفها غاية قائمة بذاتها، إنما يعكس إسقاطًا إنسانيًا حديثًا على الطبيعة أكثر مما يعكس حقيقة الطريقة التي تعمل بها النظم البايولوجية. فالطبيعة، من حيث هي اقتصاد صارم للموارد والطاقة، لا تُظهر أي ميل إلى إنتاج بنى قائمة على الترف الوظيفي أو فائض الإحساس أو الهدر المجاني للموارد. وما يفعله الإنسان هنا مرة أخرى هو أنه يُسقط فائض تمثّله الخاص على الطبيعة، ثم يطالب الطبيعة بأن تعترف بهذه الإسقاطات وكأنها جزء من منطقها الأصلي.
وهكذا تكشف الأثرية البايولوجية، سواء في أظافر الإنسان أو في البنى المشتركة بين الذكر والأنثى، حدود المنطق البشري حين يحاول فرض نفسه على الطبيعة. فالطبيعة لا تعبأ بما يراه الإنسان “أجمل” أو “أعدل” أو “أكثر كمالًا”، بل تعمل وفق اقتصاد بارد لا يهمه سوى تقليل الكلفة وتعظيم فرص البقاء والاستمرار. ولذلك تبقى أجسادنا، بكل ما تحمله من آثار وتراكيب وبصمات، شاهدةً صامتة على تاريخ تطوري طويل لا يستطيع فائض التمثّل البشري أن يمحوه مهما حاول إعادة تأويله أو الهروب منه.

أضف تعليق