العنف العقائدي… حين تتحول الدعوة إلى إرهابٍ باسم الخلاص

من أكثر المفارقات إرباكًا في التاريخ البشري أن كثيرًا من العقائد والمعتقدات التي رفعت شعارات الخير والإصلاح والرحمة والارتقاء بالإنسان، كانت في واقع الممارسة من أكثر القوى التي أغرقت الأرض بالعنف والدماء والاضطهاد. فالتاريخ الإنساني يكاد يكون ممتلئًا بحروبٍ ومحارق ومجازر وعمليات قمع جرى تبريرها باسم “الحقيقة المطلقة” أو “الخلاص” أو “إنقاذ البشر من الضلال” أو “تنفيذ إرادة الإله”، حتى بدا الإنسان وكأنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يمارس أقصى درجات الوحشية وهو يظن في الوقت ذاته أنه يؤدي عملًا مقدسًا.
ولعلّ أخطر ما في هذه الظاهرة أن العنف العقائدي لا يُقدَّم عادةً بوصفه عنفًا، بل يُعاد تغليفه أخلاقيًا وروحيًا حتى يبدو وكأنه ضرورة نبيلة أو واجب مقدس. فصاحب العقيدة المتطرفة لا يرى نفسه معتديًا، بل “مصلحًا”، ولا يرى ضحيته إنسانًا له حق الاختيار، بل “حالة انحراف” ينبغي إعادتها إلى الطريق الصحيح، ولو بالقوة. ومن هنا يتحول الإنسان المختلف إلى عائق يجب إزالته، لا إلى كائن حرّ يمتلك حق التفكير والإرادة.
وهنا تظهر واحدة من العلامات الأكثر دلالة على ضلال أي عقيدة؛ وهي أنها تدعو أتباعها إلى فرض أفكارها بالقوة الباغية. فالعقيدة التي لا تستطيع أن تعيش إلا تحت ظلال السيف، أو داخل منظومات الترهيب والقمع والتخويف، إنما تكشف من حيث لا تشعر عن ضعفها الداخلي وعجزها عن إقناع الإنسان الحرّ بذاتها. لأن الحقيقة لا تحتاج إلى بطش لكي تُثبت نفسها، والنور لا يحتاج إلى إكراه لكي يُرى، وما يحتاج إلى العنف المستمر كي يبقى حاضرًا في النفوس ليس إيمانًا حقيقيًا، بل خوفٌ من انهيار البناء التمثّلي الذي تقوم عليه تلك الجماعة أو العقيدة.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي جعل أكثر العقائد عنفًا تربط نفسها عادةً بكيان مفارق متعالٍ؛ كأن يكون إلهًا، أو ربًا، أو قوة “مقدسة”، أو “حقيقة مطلقة” لا يجوز مناقشتها. فالإنسان حين يُلبس عنفه لباس “المقدّس”، يصبح قادرًا على ممارسة ما لا يستطيع ممارسته بوصفه فردًا عاديًا. إذ يتحول القتل إلى “تطهير”، والقمع إلى “هداية”، والإرهاب إلى “جهاد” أو “رسالة خلاص”، ويصبح الاعتراض على هذه الممارسات اعتراضًا على الإله ذاته لا على البشر الذين يحتكرون الحديث باسمه.
غير أن الإشكال العميق هنا هو أن الإله الحق، إن كان كاملًا مطلقًا غنيًا عن خلقه، لا يمكن أن يكون محتاجًا إلى أدوات البطش كي يفرض نفسه على البشر. فالإله الذي خلق الإنسان مزودًا بالعقل والإرادة والقدرة على الاختيار، لا يمكن في الوقت ذاته أن يريد لهذا الإنسان أن يتحول إلى آلة خاضعة تحت وطأة الرعب. لأن الإيمان الذي يولد من الخوف ليس إيمانًا، بل انكسارٌ نفسي واستسلامٌ قسري. والعبودية التي تنتجها السياط ليست قناعةً قلبية، بل إذعانٌ مؤقت سرعان ما ينهار بزوال القوة القاهرة.
ولهذا فإن أعظم ما يميز الإيمان الحقيقي أنه فعلٌ حرّ نابع من الداخل، وليس نتيجة إخضاع خارجي. فالإله الحق لا يريد من الإنسان أن يؤمن به بوصفه كائنًا مكرهًا منزوع الإرادة، بل بوصفه ذاتًا اختارت بنفسها أن تتجه نحوه. لأن قيمة الإيمان لا تتحقق إلا حين يكون ثمرة وعيٍ واختيار، وليس نتيجة تهديد أو قسر أو غسل دماغ جماعي.
ولعلّ هذا ما يفسر لماذا كانت الأنظمة العقائدية الأكثر عنفًا هي أيضًا الأكثر خوفًا من حرية التفكير والتساؤل والنقد. فهي تدرك في أعماقها أن العقيدة التي تحتاج إلى السجن والتخويف والملاحقة كي تبقى حية، تعاني أزمة وجودية حقيقية. ولذلك تلجأ باستمرار إلى إنتاج أعداء، وإلى تعبئة أتباعها ضد المختلف، لأن بقاء حالة الصراع يمنع الأفراد من التفرغ للتفكير الحرّ الذي قد يقودهم إلى مساءلة المسلمات التي نشؤوا عليها.
إن الإيمان الحقيقي لا يولد من فوهة بندقية، ولا من سطوة جماعة، ولا من عنف سلطة، بل من اقتناع داخلي حرّ. وكل عقيدة تجعل من القمع وسيلتها الأساسية في الانتشار، إنما تُعلن، دون أن تدري، أنها تخشى الإنسان الحر أكثر مما تخشى الضلال نفسه. لأن الإنسان الحرّ القادر على الاختيار هو الامتحان الحقيقي لأي فكرة تدّعي أنها تمثل الحق.

أضف تعليق