خلف قناع العبقرية… ديمقراطية الصراع في محراب العلم

ثمة وهمٌ رومانسيٌّ متجذرٌ في الوعي الجمعي يصور العالِم ككائنٍ سماويّ، يعيش في صومعةٍ من التجريد، متعالياً عن غبار الانفعالات البشرية وصراعات الإرادات. فنحن نتوهم “المختبر” كفضاءٍ مطهّرٍ من الأنانية، حيث تذوب الأهواء الشخصية أمام سطوة الحقيقة. لكن هذا التصور ليس سوى قشرةٍ رقيقةٍ سرعان ما تتصدع بمجرد أن نسلط الضوء على التاريخ الحقيقي للابتكارات؛ إذ تكشف الأرشيفات أن العلم ليس مساراً خطياً لكائنات سماوية، بل هو ساحةُ معركةٍ بشريةٍ بامتياز.
إن الاعتقاد بأن العبقرية تمنح حصانةً ضد الغيرة، أو التوق إلى السلطة، أو الرغبة في الاستحواذ، هو اعتقادٌ يجانب الصواب. فالعالِم، قبل أن يكون باحثاً، هو “كائنٌ سياسي” واجتماعي، يخضع لنفس القوانين النفسية التي تحكم “عامة الناس”. إن القول بأن العباقرة منزهون عن الصراع هو ضربٌ من المثالية التي تمنعنا من رؤية العِلم كنشاطٍ بشريّ صاخب، تحكمه أحياناً نوازع لا تختلف في جوهرها عن صراعات النفوذ في الأسواق أو ردهات السياسة.
تعد سيرة لوي باستور، وتحديداً أبحاثه حول داء الكَلَب في أواخر القرن التاسع عشر، نموذجاً مثالياً لهذا الاشتباك. فلم يكن “الصراع العلمي” حول اللقاح مجرد بحثٍ محايدٍ عن خلاص البشرية، بل كان سباقاً محموماً نحو المجد الشخصي والاعتراف المؤسسي. فبينما كان باستور يدير المشهد الإعلامي والعلمي ببراعة، كانت مساهمات باحثين آخرين، مثل بيير فيكتور غالتير، تُطمس أو تُهمل في الظلال. إن قدرة باستور على “هندسة” حضوره في أكاديمية العلوم بباريس جعلت من أبحاثه تبدو كأنها انبثاقٌ مفردٌ من عقله وحده، مغفلةً بذلك التراكمات العلمية السابقة والانتقادات اللاذعة التي وجهها معاصروه، مثل بيشام، الذين اتهموه بالاستيلاء على ثمار جهد الآخرين. غير أن هذا النمط ليس وليد العصر الحديث. فإذا عدنا إلى عصر النهضة، فسوف نجد أن الصراعات حول “الأولوية العلمية” كانت هي المحرك الخفي للاكتشافات. فعلماء الرياضيات في إيطاليا، على سبيل المثال، في سباقهم نحو حل المعادلات التكعيبية، كانوا يتكتمون على نتائجهم كأنها أسرارٌ عسكرية، يتبادلون التحديات العلنية والشتائم في حال فشل أحدهم. وفي ذروة عصر الأنوار، تحول الصراع بين نيوتن وليبنتز حول “حساب التفاضل والتكامل” إلى معركةٍ طاحنةٍ تجاوزت المعادلات لتصل إلى الطعن في النزاهة الشخصية والأخلاقية، مما يثبت أن عباقرة الفيزياء والرياضيات لا يملكون حصانةً ضد انحدار الخلاف إلى دركٍ شخصيٍّ ضيق.
إننا هنا أمام ما يمكن اعتباره جزءاً من “هشاشة البشر”(Human Fragility)  .فالعلم لا يُطهّر النفس من النزاعات، بل يوفر للنزاع أدواتٍ أكثر تعقيداً وخطورة. إن التاريخ العلمي ليس سوى سلسلةٍ من الأزمات والمنازعات التي يُسجل فيها المنتصر روايته، بينما يُحجب المهزوم في غياهب النسيان. فالعبقرية ليست ترياقاً ضد التنافس؛ بل هي أحياناً محفزٌ لشرارته، فكلما زاد شأن العالِم، زاد رهان “الأنا” المرتبطة بإنجازه.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ما ينبغي علينا إدراكه اليوم هو أن العلم شيء، والعلماء شيءٌ آخر. فالعلم كمنهجٍ هو أداةٌ لتجريد الحقيقة، أما العلماء فهم بشرٌ يخطئون، يتنافسون، ويتصارعون. إن إدراكنا لـ “بشرية” العالِم يعزز من وعينا النقدي؛ فهو يقينا من “تقديس” الأسماء، ويجعلنا نتلقى النظريات باعتبارها نتاجاً لتفاعلٍ بشريٍّ صاخب، وليس كحقيقةٍ مُنزلَةٍ من فراغ. إن ديمقراطية الصراع هذه هي الحقيقة الوحيدة التي تظل ثابتةً عبر العصور؛ فالعلم، في جوهره، ليس أكثر من حوارٍ بشريّ متوتر، يتسم بالهياج ذاته الذي يخطئ من يظن أنه مقصورٌ على عامة الناس دون صفوتهم.

أضف تعليق