لماذا يحتاج العقل البشري إلى تحويل الوجود إلى سردية؟

لو وُضع الإنسان فجأة أمام الكون كما هو، بلا لغة، ولا رموز، ولا أساطير، ولا فلسفات، ولا علم، ولا أي إطار تفسيري يربط الأشياء ببعضها، فهل يستطيع احتمال ذلك؟ على الأرجح لا. فالإنسان لا يواجه العالَم بوصفه كتلة خامًا من الوقائع، بل بوصفه كائنًا يحتاج بصورة عميقة إلى تحويل هذا العالم إلى قصة. ومن هنا يمكن القول إن إحدى أكثر الخصائص جوهرية في العقل البشري ليست القدرة على التفكير المجرد فحسب، بل الحاجة القهرية إلى السرد؛ أي إلى ربط الأحداث والمعاني والظواهر داخل بنية تمنح الوجود شكلًا قابلًا للفهم والاحتمال.
إن الكون، في ذاته، لا يروي قصة. فالنجوم تنفجر، والمجرات تتباعد، والكائنات تولد وتموت، والطبيعة تتحرك وفق قوانينها دون أن تعلن غاية أخلاقية أو معنى وجوديًا. لكن الإنسان، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، لم يعد قادرًا على العيش داخل هذا الصمت الكوني. فلقد أصبح كائنًا يحتاج إلى أن يحوّل العالم إلى سردية مستمرة يشعر داخلها أن للأشياء بدايةً واتجاهًا وغاية.
ولهذا فإن الإنسان لا يسأل فقط: “ما الذي حدث؟”، بل يسأل دائمًا: “ما قصة ما حدث؟” فالطفل، منذ سنواته الأولى، لا يفهم العالم عبر الوقائع المجردة، بل عبر القصص. والحضارات نفسها لم تتشكل أولًا عبر المعادلات، بل عبر الأساطير والسرديات المؤسسة. وحتى الهوية الشخصية للإنسان ليست شيئًا ثابتًا مستقلًا، بل قصة يرويها الإنسان لنفسه عن ذاته وماضيه ومستقبله.
ومن هنا فإن السرد ليس ترفًا ثقافيًا، بل بنية أساسية من بنى الوعي البشري.
إن الإنسان لا يحتمل العشوائية الخالصة، ولذلك يسارع إلى ربط الأحداث ببعضها حتى حين لا توجد علاقة حقيقية بينها. فهو يبحث عن الأنماط، ويحوّل المصادفات إلى إشارات، والتاريخ إلى مسار، والحياة إلى رحلة ذات مغزى. لأن العالَم، إذا تُرك بلا قصة، فإنه يصبح فضاءً مرعبًا من الوقائع الصامتة التي لا تمنح الوعي أي نقطة ارتكاز.
وهنا يظهر فائض التمثّل بوصفه القوة التي تدفع الإنسان إلى إنتاج السرد باستمرار. فالإنسان لا يكتفي بإدراك العالم، بل يعيد ترتيبه داخل بنية رمزية تجعل وجوده محتملًا نفسيًا. ولذلك فإن كل الحضارات، مهما اختلفت، تنتج دائمًا قصصًا كبرى عن أصل الكون، ومصير الإنسان، وطبيعة الخير والشر، واتجاه التاريخ.
فالإنسان لا يعيش داخل “الواقع” مباشرة، بل داخل “رواية عن الواقع”.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تبدو الأزمات الوجودية الحديثة شديدة العمق. فمع تراجع السرديات التقليدية الكبرى، وجد الإنسان نفسه أمام كون هائل لا يقدم له قصة جاهزة عن معنى وجوده. فلقد كشف العلم الحديث حجم العالم وغرابته، لكنه لم يمنح الإنسان سردية بديلة قادرة على ملء الفراغ الرمزي الذي خلّفه انهيار الأساطير القديمة.
ومن هنا نشأت حالة الإنسان المعاصر، ككائن يمتلك معرفة غير مسبوقة بالعالم، لكنه يعاني في الوقت نفسه من أزمة معنى غير مسبوقة أيضًا.
إن الإنسان لا يستطيع العيش طويلًا داخل كون لا يشعر أنه “يرويه” بطريقة ما. ولذلك فإن السرديات الجديدة تظهر باستمرار لتحل محل القديمة، فالأيديولوجيات، والقوميات، وأساطير التقدم، والتنمية الذاتية، واليوتوبيا التقنية، وحتى بعض أشكال الخطاب العلمي المعاصر، كلها محاولات لإعادة إنتاج قصة كبرى تمنح العالم اتجاهًا ومعنى.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو ليس الجهل، بل انهيار القصة التي يعيش داخلها. فحين يفقد الإنسان سرده الكلي، يفقد معه الإحساس بالاتساق والغاية. ومن هنا ينبع القلق الوجودي العميق الذي يميز الإنسان الحديث المتمثل في ذلك الشعور بأن العالم أصبح مفهومًا تقنيًا أكثر من أي وقت مضى، لكنه فقد قابليته للسكن الرمزي.
إن العقل البشري لا يعمل كآلة حسابية فقط، بل كآلة سردية أيضًا. فهو يعيد باستمرار تنظيم الزمن والأحداث والذكريات والتوقعات داخل قصة تمنحه الإحساس بأن حياته ليست مجرد سلسلة عشوائية من الوقائع. فحتى الذاكرة الإنسانية نفسها ليست أرشيفًا محايدًا، بل بناءً سرديًا. فالإنسان لا يتذكر حياته كما حدثت حرفيًا، بل كما يرويها لنفسه. وهو يحذف ويعيد ترتيب ويضخم ويؤول لكي يحافظ على تماسك قصته الداخلية عن ذاته. ومن هنا فإن الإنسان لا يخاف من الموت أو الألم فحسب، بل من أن يكون كل شيء بلا قصة.
إن الكون، كما تصفه المعادلات، قد يكون مجرد نظام فيزيائي هائل لا يحمل أي مقصد أخلاقي أو وجودي. لكن الإنسان لا يستطيع التوقف عند هذا الحد، لأنه يحتاج إلى أن يرى نفسه داخل حكاية أكبر من وجوده الفردي العابر. ولهذا السبب لم تختفِ الأسطورة أبدًا، بل غيرت أشكالها فقط. فحين تراجعت أساطير “التدين” لدى بعض المجتمعات، ظهرت أساطير التقدم، والثورة، والعرق، والسوق، والذكاء الاصطناعي، والخلاص التكنولوجي. وما ذلك إلا لأن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن السرد، حتى وهو يعلن انتصاره للعقلانية.
إن الإنسان، بهذا المعنى، ليس فقط الكائن الذي يفكر، بل الكائن الذي يحوّل الوجود إلى رواية حتى يستطيع العيش داخله.
ولعل هذا ما يجعل الكون، في صورته العارية، مستحيل الإدراك الكامل من قِبل العقل البشري. فالإنسان لا يطيق الوقائع الصامتة، ولذلك يغمرها دائمًا بالمعاني والرموز والقصص. وهكذا، فإن فائض التمثّل لا يظهر في الفلسفة أو “التدين” أو الإيديولوجيا فحسب، بل في الحاجة العميقة إلى السرد ذاته؛ تلك الحاجة التي جعلت الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يعيش في العالم كما هو، بل في القصة التي ينسجها حول العالم.

أضف تعليق