عام المعجزات… حين تهزم العبقرية العزلة والظروف

في تاريخ البشرية، ثمة خيط رفيع وفارق جوهري يمايز بين العباقرة وبقية أفراد الجنس البشري. وهذا الفارق لا تصنعه المكاتب الفاخرة، ولا الميزانيات الضخمة، ولا الظروف المثالية؛ بل تصنعه عقول استثنائية تتوهج كلما ادلهمت حولها الخطوب. ولعل في مصطلح “Annus Mirabilis” (عام المعجزات) التجلي الأكبر لهذه الحقيقة، حيث يقف التاريخ شاهداً على محطتين فارقتين غيرتا مجرى الوعي الإنساني إلى الأبد، بطلَاهما عالِمَان لم يجمعهما عصر واحد، ولكن جمعتهما عبقرية تخطت حدود المستحيل.
المحطة الأولى صاغها الشاب إسحاق نيوتن عام 1665. فبينما كان الموت الأسود (الطاعون) يجتاح لندن ويغلق جامعة كامبريدج، مجبراً الجميع على الفرار، انزوى نيوتن ذو الثلاثة والعشرين ربيعاً في حجر صحي ببلدته النائية. وهناك، في تلك العزلة الإجبارية والخوف المحيط بالعالم، لم يستسلم للذعر أو الخمول، بل واصل الليل بالنهار ليفك شفرة الكون؛ فوضع أسس التفاضل والتكامل، واكتشف طبيعة الضوء، وصاغ قانون الجاذبية الكونية. لقد كان “حجره الصحي” هو الانفجار العظيم لعصر التنوير.
وبعد نحو قرنين ونصف، وتحديداً في عام 1905، تكررت المعجزة ذاتها مع شاب آخر يدعى ألبرت أينشتاين. فلم يكن أينشتاين حينها أستاذاً في جامعة مرموقة، بل كان مجرد موظف بسيط من الدرجة الثالثة في مكتب براءات الاختراع بمدينة بيرن السويسرية، يقضي ساعات طوال في تدقيق معاملات روتينية. ومن قلب هذا الروتين الممل والوظيفة المتواضعة، تدفق سيل من الأفكار الثورية في عام واحد؛ فأثبت وجود الذرة، وفكك لغز الضوء، وهدم مفهوم نيوتن الكلاسيكي عن الزمان والمكان عبر نظريته النسبية الخاصة، مكللاً العام بمعادلته الشهيرة E=mc^2.
إن هذا التشابه المذهل بين عامي 1665 و1905 يحمل في طياته درساً نفسياً وفلسفياً بالغ الدلالة عند مقارنته بملايين البشر الآخرين. ففي الوقت الذي يلقي فيه الكثيرون باللائمة على الظروف، ويحملون بيئاتهم، أو مجتمعاتهم، أو وظائفهم مسؤولية إخفاقاتهم المتواصلة، مقنعين أنفسهم بأن غياب “المنصب المرموق” أو “الدعم المالي” هو العائق الوحيد بينهم وبين النبوغ، تأتي سيرة نيوتن وأينشتاين لتنفي هذه الحجة كلياً.
فلم يكن الحجر الصحي الخانق لنيوتن، ولا الوظيفة المكتبية المجهدة لأينشتاين، عائقاً أمام إفراغ ما في عقل كل منهما من فيض معرفي. ولم ينتظر هذان الرائدان ظروفاً مؤاتيه، ولم يكونا بالضرورة على وفاق تام مع المحيط الاجتماعي أو المهني، لكنهما امتلكا الشغف والإرادة اللذين يحيلان المصاعب والمشاق الى فرص للابتكار والابداع، والضوضاء إلى صفاء ذهني لإنتاج المعرفة.
غير أن المفارقة الكبرى والتاريخية هنا تكمن في أحوال “الشاكين والمتباكين” في عصرنا الحالي. إن أولئك الذين يتذمرون اليوم من سوء حظهم، ويتحججون بالعلل والظروف لتبرير عجزهم عن صعود مصاف العباقرة، يعيشون في عالم مهدت طرقه ووفرت أدواته تلك العقول العبقرية نفسها. فلولا تلك المبتكرات والنظريات التي ولدت من رحم المعاناة والعزلة، لما امتلك المتذمرون اليوم وسائل الرفاهية والاتصال التي يستخدمونها لمجرد الشكوى وبث الإحباط!
لقد كان هدف العباقرة عبر التاريخ الإجابة على الأسئلة الوجودية الكبرى التي لازمت الجنس البشري منذ بداية تشكل وعيه الأول، وتغيير حياة الإنسان نحو الأفضل. فصناعة التاريخ، كما يثبت واقع الحال، هي حكر على أولئك الذين يصهرون ظروفهم الصعبة في أتون العمل الدؤوب، بينما يبقى العجز والتباكي ديدن من يرى في حظه الشماعة الوحيدة لشقائه المعرفي.
إن عام المعجزات ليس مجرد حدث تاريخي، بل هو حالة ذهنية تثبت أن العبقرية لا تحتاج إلى جغرافيا مثالية أو ظروف مريحة، بل إلى عقليات ترفض الانكسار، وتصنع من أضيق المساحات فضاءً رحباً يتسع للكون بأسره.

أضف تعليق