
لعلّ من أكثر النتائج إثارةً للتأمل التي ترتبت على الانعطافة التمثّلية الكبرى التي شهدها الإنسان، ذلك التحول العميق الذي أصاب طريقة تعامله مع الآخر. فبعد أن كانت العلاقات بين أفراد النوع الواحد محكومة، إلى حدٍّ بعيد، بمنطق الطبيعة واقتصادها الصارم في استهلاك الطاقة وتوجيه السلوك نحو غايات واضحة ومحددة، أصبح الإنسان يعيش داخل شبكة هائلة من التمثّلات والتأويلات والتوقعات التي لا تنتهي. وهكذا لم يعد يتعامل مع الآخر كما هو، بل كما يتخيله، وكما يخشاه، وكما يأمل أن يكون، وكما يتوقع أن يصبح.
ولعلّ الحب يمثل المثال الأكثر وضوحًا والأشد دلالة على هذا التحول. فإذا كانت هناك ظاهرة واحدة تكشف حجم الفجوة بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان، فإنها بلا شك ظاهرة الحب. ذلك أن المتتبع لما خلفته الحضارات البشرية من نصوص وآداب وأشعار وأساطير وروايات على مدى أكثر من أربعة آلاف سنة، سيجد نفسه أمام مشهد يكاد يكون ثابتًا بصورة مدهشة. فالعشاق يتألمون اليوم كما تألموا قبل آلاف السنين، ويعانون من الهجر والغيرة والانتظار والشك والحرمان كما عانى أسلافهم تمامًا، وكأن التاريخ الطويل للبشرية لم ينجح في الاقتراب خطوة واحدة من حل هذه المعضلة.
إن هذه الحقيقة وحدها تستحق الوقوف عندها مليًا. فالمشكلات الطبيعية عادةً ما تميل إلى الانكشاف مع الزمن. فالإنسان تعلم كيف يزرع الأرض، وكيف يبني المدن، وكيف يعالج الأمراض، وكيف يطير في السماء ويغوص في أعماق البحار ويصل إلى الفضاء. أما الحب فقد بقي، رغم آلاف السنين من التجربة والتأمل، على حاله تقريبًا. فما زال يورث أصحابه القلق ذاته، والانتظار ذاته، والغيرة ذاتها، والخوف ذاته، والانكسارات ذاتها.
ولو كان الحب مجرد فعالية بايولوجية طبيعية لما كان الأمر كذلك. فالطبيعة لا تعرف هذا النوع من الفشل المزمن. إذ إن الآليات التي ترسخت عبر ملايين السنين من الانتخاب الطبيعي تكون في الغالب شديدة الكفاءة في أداء وظائفها. وهي لا تميل إلى إنتاج هذا القدر الهائل من الألم والارتباك والاضطراب بصورة مستمرة ودائمة.
ومن هنا يبدو أن الحب الإنساني، وإن كان يبدأ من منطلق هرموني، لا يلبث أن يغادر المجال البايولوجي ليدخل في عالم آخر مختلف تمامًا. فما إن تنطلق الإشارات الهرمونية الأولى حتى يبدأ فائض التمثّل بالتدخل؛ إذ يبدأ الإنسان ببناء صورة ذهنية للطرف الآخر، ثم يبني صورة عن علاقته به، ثم صورة عن المستقبل الذي يتخيله معه، ثم صورة عن المكانة التي يحتلها في حياته، ثم صورة عن كيفية نظر الآخر إليه، ثم صورة عن كيفية نظر الآخرين إلى هذه العلاقة، ثم يبدأ ببناء تصورات حول ما قد يحدث غدًا، وبعد غد، وبعد سنوات طويلة. وخلال هذه العملية تتراكم طبقات متتابعة من التمثّلات حتى يصبح الواقع الفعلي جزءًا صغيرًا جدًا من التجربة العاطفية. فالعاشق لا يعيش مع الشخص الذي يحبه فحسب، بل يعيش مع آلاف الصور الذهنية التي صنعها عنه. ومن هنا تبدأ المعضلة؛ فكل كلمة تصبح قابلة لعشرات التفسيرات، وكل صمت يتحول إلى رسالة خفية، وكل تأخر في الرد يصبح حدثًا يستدعي التحليل، وكل تغير بسيط في السلوك يفتح الباب أمام سيل من الفرضيات والاحتمالات المتناقضة. فتنشأ داخل ذهن العاشق معارك كاملة لا وجود لها خارج حدود تمثلاته الخاصة. إن ما يعانيه العاشق في كثير من الأحيان ليس الواقع، بل تفسيره للواقع. وليس الحدث ذاته، بل المعاني التي يضفيها عليه. وليس الآخر كما هو، بل الآخر كما أعاد هو تشكيله داخل عالمه التمثّلي.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الحب بوصفه فعالية طبيعية وبين الحب بوصفه ظاهرة إنسانية. فالطبيعة لا تحتاج إلى هذه الكميات الهائلة من التأويل. أما الإنسان فقد أصبح عاجزًا عن اختبار أي تجربة عاطفية من دون أن يغمرها بطبقات متراكمة من المعاني والتوقعات والهواجس والرموز. ولعلّ هذا ما يفسر استمرار مأساة الحب عبر التاريخ، فلو كانت المشكلة كامنة في الجانب الهرموني وحده لكان من المتوقع أن يجد الإنسان لها حلولًا منذ زمن بعيد، أما استمرار العذاب العاطفي بالصورة نفسها تقريبًا عبر آلاف السنين، فيوحي بأن مصدر المشكلة الحقيقي لا يكمن في الهرمونات ذاتها، بل في ذلك الفائض الهائل من التمثّل الذي يلتف حولها ويعيد تشكيلها باستمرار.
إن الحب يكشف، أكثر من أي ظاهرة أخرى، حجم المسافة التي ابتعد بها الإنسان عن اقتصاد الطبيعة. ففي الوقت الذي تسعى فيه الطبيعة إلى الاقتصاد في الطاقة وتجنب الهدر والحد من التعقيد غير الضروري، نجد الحب الإنساني يتحول إلى واحدة من أكثر الفعاليات استنزافًا للطاقة النفسية والعقلية؛ فهو يدفع الإنسان إلى التفكير المتواصل، وإعادة التفسير، واستحضار الذكريات، وبناء التوقعات، ومراجعة الاحتمالات، والخوف من المستقبل، والقلق من الفقد، والعيش داخل عالم من السيناريوهات الافتراضية التي قد لا يتحقق معظمها أبدًا.
وهكذا يصبح الحب مثالًا نموذجيًا على انتصار فائض التمثّل على اقتصاد الطبيعة. فما بدأ بوصفه استجابة هرمونية محدودة تحوّل إلى منظومة هائلة من التوقعات والصراعات والانفعالات والتناقضات التي لا تنتهي. ومن هنا يمكن النظر إلى الحب لا بوصفه دليلًا على اكتمال الإنسان، كما اعتادت الثقافة الإنسانية أن تصوره، بل بوصفه واحدًا من أكثر الشواهد وضوحًا على الثمن الباهظ الذي دفعه الإنسان مقابل خروجه من النظام الطبيعي ودخوله “عالَم التمثّلات”. فالحب، في نهاية المطاف، ليس المشكلة التي عجز الإنسان عن حلها فحسب، بل هو المرآة التي تعكس بوضوح حجم التيه الذي أدخله إليه فائض التمثّل؛ ذلك التيه الذي جعل أبسط الوظائف الطبيعية تتحول إلى واحدة من أعقد المعضلات التي عرفها التاريخ الإنساني.
