
طالما حاولت المنظومات المعرفية والفلسفية، على مر العصور، أن تضع الإنسان في “علبة” تفسيرية مغلقة؛ فتارةً تراه المدارس المادية مجرد كائن تحركه الغريزة والاقتصاد، وتارةً تصوره الفلسفات المثالية ككائن مدفوع بالقيم والمباديء. غير أن هذا الكائن لا يكف عن إعلان عصيانه على كل هذه التوهمات، مبرهناً في كل محطة تاريخية على أن سلوكه مركب، متناقض، وعصيٌّ على الاختزال في نظرية واحدة تدّعي تقديم “التفسير الأمثل” لسلوكياته.
ولفهم هذا الاستعصاء، والوقوف على طبيعة هذا الكائن الإشكالي، لا نحتاج إلى الغرق في التجريد النظري، بل يكفي أن نتأمل شاهدين تاريخيين تفصل بينهما قرون، لكن يجمعهما ذات “السعار” البشري غير المفهوم:
أولاً: روما 1527.. حين احترقت العقيدة على مذبح “المال”
ففي السادس من مايو عام 1527، شهدت مدينة روما، عاصمة الروحانية المسيحية ورمز الكنيسة البابوية، واحدة من أبشع الفظائع في تاريخها. فلقد تقدمت جيوش الإمبراطور شارل الخامس (شارلكان) نحو المدينة، ولم يكن الهجوم مجرد مناورة سياسية اعتيادية، بل تحول إلى اجتياح همجي قاده جنود غاضبون ومحبطون بسبب تأخر الكنيسة البابوية في دفع مستحقاتهم وأجورهم المالية. المفارقة هنا تدحض فرضية “الإنسان العقائدي” أو حتى “الإنسان العقلاني”؛ فهؤلاء الجنود (والكثير منهم كاثوليك) لم تمنعهم حرمة الفاتيكان ولا قدسية الكنائس من استباحتها؛ حيث تحولت دور العبادة إلى ساحات للنهب، وأُحرقت المعالم، وقُتل الناس في الشوارع وداخل بيوتهم بدم بارد وذلك لمجرد تأخر تسلُّم الجنود لمخصصاتهم المالية (الأجور)؛ حيث تحول الحرمان المادي، هنا، إلى وقود لتفجير وحشية سادية تتجاوز بكثير مجرد استرداد الحقوق المادية، ليختلط الغضب بالانتقام في مشهد فوضوي يعجز المرء عن تفسيره.
ثانياً: باريس الثورة.. الاعتداء على المحرمات وتعدي الحدود الأخلاقية
فلكأن التاريخ يأبى إلا أن يعيد التذكير بهمجية هذا الانسان الذي عاث بالأمس القريب في شوارع روما فساداً وها هو اليوم يعيد الكرة، ولكن في شوارع باريس الثورة. ففي أعقاب الثورة الفرنسية، وتحت شعارات “الحرية والإخاء والمساواة”، شهدت باريس انفجاراً سلوكياً يماثل فظائع روما، بل ويتفوق عليها في سيريالية المشهد. فلم يكتفِ الجنود والمواطنون الثائرون بمهاجمة الكنائس وإحراقها تصفيةً لحساباتهم مع سلطة الإكليروس، بل امتدت أيديهم إلى ما وراء الحياة؛ فنُبشت القبور، واستُخرجت جثث الموتى (لا سيما ملوك فرنسا في كنيسة سانت دينيس). ولم يتوقف الأمر عند حدود التدنيس السياسي، بل وصل السعار البشري إلى حد “مراقصة جثث الموتى” والتمثيل بها، وقتل الأبرياء في الشوارع بدم بارد لا تحركه أدنى مشاعر الشفقة. ففي باريس، لم يكن المحرك هو تأخر أجور مادية كما في روما، بل كان “التحرر” المفترض، والذي تحول فوراً إلى طاقة تدميرية عشوائية تنسف كل “القيم الإنسانية”.
وأمام هذين المثالين، يقف العقل البشري مذهولاً ومتسائلاً: ما بال هذا الكائن؟ كيف تصدر عنه أفعال لا يمكن أن تصدر عن أكثر حيوانات الغابة توحشاً وشراسة؟ فحيوان الغابة يقتل ليعيش، ويفتك ليتغذى أو ليدافع عن حِماه، وعنفه منضبط بقوانين الطبيعة الصارمة والغريزة البايولوجية المحفزة للبقاء. أما العنف البشري في روما وباريس؛ وهو عنف “مجاني” في جزء كبير منه، عنف يتلذذ بالهدم، والتدنيس، والتمثيل بالموتى. ألا يستدعي هذا السعار الكامن في قلب الكينونة البشرية أن نقر، بجرأة فلسفية، بأن هناك خطباً ما قد اعتور المسيرة التطورية البشرية؟ خطأ تطوري كارثي حادَ بالإنسان عن وجهته الطبيعية الحيوانية المنضبطة، ليمنحه “وعياً” مشوهاً، وعقلاً لا يُستخدم لتهذيب الغريزة، بل لابتكار أساليب في الفتك والوحشية تعجز الطبيعة نفسها عن استيعابها.
إن الإنسان يستعصي على التفسير لأنه الكائن الوحيد الذي يمكنه أن يقتل باسم الله (كما في روما) ويقتل باسم الحرية (كما في باريس)، بينما المحرك الحقيقي في الحالتين هو ذلك الوحش القابع في أعماقه، والذي ينتظر قشرة رقيقة من المبررات (راتب متأخر أو ثورة عارمة) لينقض على الوجود تدميراً وخراباً.
