هل أخطأنا في تصنيف الإنسان؟

تقدم هذه المقالة مقاربة جديدة للظاهرة الإنسانية، وذلك بتعاليها عن ان تكون مجرد نقد للنموذج التطوري السائد. وتمثل هذه المقاربة الجديدة أطروحة إبستمولوجية أكثر اتساعاً، وذلك لأنها تبين لنا أن العقبة الأساسية أمام فهم الإنسان لا تتمثل في نقص البيانات، بل في خطأ التصنيف ذاته المستنِد إلى الزعم القائل بأن الإنسان لا يزال يخضع بالكامل للمنطق الطبيعي نفسه الذي يفسر حياة الحيوان. وبذلك فإن هذه المقالة تقدم تصوراً فلسفيًا ومنهجيًا جديداً يتجاوز الجدل التقليدي بين المدافعين عن التطور والمعارضين له، وذلك بمساءلتِها مفهوم “الطبيعية” ذاته. فلعلّ من أخطر الافتراضات التي حكمت دراسة الإنسان منذ نشأة العلوم الحديثة ذلك الافتراض الذي يكاد يبدو بديهيًا إلى درجة أنه نادرًا ما يُوضَع موضع مساءلة جذرية، وهو افتراض أن الإنسان كائن طبيعي بالمعنى نفسه الذي تكون فيه بقية الكائنات الحية كائنات طبيعية. فمنذ أن رسّخ داروين فكرة الأصل المشترك للكائنات الحية، بدا وكأن السؤال قد حُسم نهائيًا: فالإنسان ليس سوى فرع متأخر من شجرة الحياة، تحكمه القوانين ذاتها التي حكمت ظهور الحيوانات وتطورها عبر ملايين السنين.
غير أن التقدّم المعرفي لا يتحقق دائمًا عبر تأكيد المسلمات، بل كثيرًا ما يبدأ حين يجرؤ الباحث على مساءلة ما اعتاد الجميع اعتبارَه حقيقةً نهائية. وهنا يبرز سؤال قد يكون من أكثر الأسئلة إزعاجًا للوعي العلمي المعاصر: ماذا لو كان الخطأ الأكبر في علوم الإنسان يتمثل في استمرارنا في التعامل معه بوصفه كائنًا طبيعيًا، رغم أن كل ما نعرفه عنه يكاد يشهد بعكس ذلك؟
إن الملاحظ أن العلوم الحديثة حققت نجاحًا مذهلًا في الكشف عن أوجه الشبه بين الإنسان والحيوان. فكل يوم يمرّ يضيف علم الوراثة، وعلم الأعصاب، وعلم السلوك المقارن، مزيدًا من الأدلة على وحدة الأصل الحيوي للكائنات الحية. لكن هذا النجاح نفسه أخفى مفارقة لا تقل أهمية؛ فبينما انشغلنا بتعداد أوجه “التشابه”، أهملنا بصورة لافتة محاولة فهم أوجه “الاختلاف”. ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة هو أن هذه الاختلافات ليست هامشية أو ثانوية، بل تمسّ جوهر الوجود الإنساني ذاته. فالحيوان، مهما بلغ تعقيده، يبقى مندمجًا في النظام الطبيعي اندماجًا يكاد يكون كاملًا. فهو لا يعاني من أزمة معنى، ولا يعيش قلقًا وجوديًا، ولا يشنّ حروبًا عقائدية، ولا يبني منظومات رمزية تستهلك حياته، ولا يرهق نفسه بأسئلة لا تنتهي عن الغاية والعدم والخلود والحرية والحقيقة. أما الإنسان فقد بدا، منذ لحظة ما غامضة في تاريخه، وكأنه خرج خروجًا جذريًا من هذا النظام. فهو الكائن الذي أتقن فنّ مخالفة ما تمليه الطبيعة عليه؛ فالانسان يأكل خلافًا لحاجته، ويحرم نفسه من الطعام خلافًا لحاجته، ويقاتل دون منفعة بايولوجية مباشرة، ويستهلك طاقته في الكراهية والحسد والندم والحنين والقلق والتوقعات والرموز والأفكار المجردة، ويعيش داخل عوالم من التمثلات التي قد تكون أبعد ما تكون عن الواقع المباشر. والأغرب من ذلك أن الحيوان يبدو، في كثير من هذه الجوانب، أكثر نجاحًا من الإنسان في التكيف مع شروط الوجود. فهو أقل قلقًا، وأقل اضطرابًا، وأكثر انسجامًا مع البيئة التي نشأ فيها. بينما يبدو الإنسان وكأنه الكائن الوحيد الذي يحمل عبئًا وجوديًا دائمًا، ويعيش في حالة توتر مستمر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ربما أصبح من الضروري طرحه بجدية: إذا كان الحيوان هو النموذج الطبيعي للكائن الحي المنسجم مع القوانين التي أنتجته، فهل يمكن الاستمرار في اعتبار الإنسان كائنًا طبيعيًا بالمعنى نفسه؟
إن كثيرًا من المآزق التي يعاني منها علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا قد تكون ناجمة عن هذا الافتراض تحديدًا. فنحن نحاول باستمرار تفسير ظواهر إنسانية شديدة الغرابة بالاستناد إلى نماذج صُممت أصلًا لفهم كائنات مندمجة في اقتصاد الطبيعة، بينما تشير الوقائع إلى أن الإنسان يعيش منذ زمن بعيد خارج هذا الاقتصاد. ولهذا فإن المعيار الحقيقي للحكم على إمكان تقدم المعارف المتعلقة بالإنسان قد لا يكون مقدار ما نكتشفه من أوجه الشبه بينه وبين الحيوان، بل مقدار استعدادنا للاعتراف بأن هناك “حدثًا استثنائيًا” وقع في تاريخ هذا الكائن؛ وهو حدثٌ أدى إلى حيوده عن المسار الذي بقيت عليه بقية الأنواع الحية. ولا يشترط هذا الاعتراف تحديد طبيعة ذلك الحدث مسبقًا، ولا الجزم بأسبابه أو آلياته، بل يكفي الإقرار بوجود المشكلة أولًا. فالعلم لا يبدأ عادة بالإجابات، بل يبدأ بالاعتراف بأن هناك سؤالًا لم يُطرَح بعد بالصيغة الصحيحة.
ولعلّ المخرج الحقيقي من المأزق المعرفي الذي يحيط بالإنسان المعاصر يكمن في الانتقال من سؤال: “كيف تطور الإنسان كما تطورت الحيوانات؟” إلى سؤال آخر أكثر جذرية: “ما الذي جعل الإنسان يتوقف عن أن يكون طبيعيًا كما بقيت الحيوانات؟”.
وعندئذٍ فقط تبدأ رحلة مختلفة تمامًا في فهم هذا الكائن الذي يحمل في داخله مفارقة لا نظير لها في عالم الطبيعة البايولوجية؛ وهو كائن كان يومًا ما جزءًا من الطبيعة، ثم حدث له “شيء ما” جعله يقف على مسافة منها يراقبها ويفسرها ويعيد تشكيلها ويعاني بسببها، ويبحث بلا انقطاع عن طريق العودة إليها أو الخلاص منها. وربما لن يتحقق أي تقدم حقيقي في معرفتنا بالإنسان ما لم نمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن هذا الانسان هو أقل الكائنات “طبيعيةً” بين جميع الكائنات التي عرفتها الأرض.

أضف تعليق