غطرسة السردية واحتكار الزمن… نحو مقاربة إبستمولوجية لتفكيك ثنائية “الخلق والتطور”

شهد الفكر الإنساني عبر تاريخه الطويل ميلاً مستمراً لدى الإيديولوجيات السائدة لاستخدام “الزمن” كأداة للمحاكمة الأخلاقية والمعرفية. ولعل التعبير المعاصر الكامن في عبارة “الوقوف على الجانب الصحيح من التاريخ” ليس سوى امتداد لبلاغة قديمة تحاول إضفاء الشرعية على موقف فكري معين عبر ادعاء حتمية انتصاره مستقبلاً، ووسم المخالف بالتخلف والتحجر والوقوف في العتمة. بيد أن هذا الخطاب، في جوهره، ينطوي على مغالطة منطقية كبرى؛ فالتاريخ كعلم ليس قاضياً يملك وعياً أخلاقياً، والحقيقة، بالتعريف، لا تتجزأ إلى جانبين صحيح وغير صحيح، فهي جانب واحد يمثل الواقع والوجود، وما يتعدد ليس الحقيقة بل زوايا الرؤية ومصالح المؤوّلين.
وتتجلى هذه الغطرسة السردية بوضوح عندما يتحول العلم أو الدين من فضاءات للبحث والتأمل إلى منصات للخطاب الإيديولوجي المتعصب، وهو ما يظهر بجلاء في الصراع المستعر بين مدرستين فكريتين متعارضتين: مدرسة البايولوجيا التطورية في نسختها الدوغمائية (العلموية)، ومدرسة المقاربة الخَلْقية التقليدية.
فكلتا المدرستين صاغت سردية إقصائية ترى في الأخرى انها تقف “على الجانب الخاطئ من قطار المعرفة”. فمن جهة، اندفعت مدرسة البايولوجيا التطورية، في شقها الفلسفي المادي، إلى وسم أي قول بالخلق بأنه “خرافة ما قبل علمية” ينبغي أن يلفظها التاريخ، محاكِمةً الإيمان بوعي خالق انطلاقاً من حتمية مادية صلبة. وفي المقابل، ارتدَّت المقاربة الخلقية التقليدية إلى خندقة ذاتية، واصفةً التطور بأنه “مؤامرة إلحادية” تهدف إلى هدم الدين، ومحاكِمةً المكتشفات التجريبية بنصوص وعظية جمدت التأويل وعزلته عن سنن الكون الجارية. وهكذا، فلقد تحول الحوار العلمي إلى معركة إيديولوجية يسعى فيها كل طرف إلى احتكار المستقبل ونفي الآخر إلى “الجانب الخاطئ من التاريخ”.
ولكن، وإذ نصل إلى هذه النقطة الحاسمة في هذا الاستعراض الموجز للصراع الدائر بين هاتين المدرستين، فإن المنطق ومنهج البحث العلمي ذاته يقتضي منا إيراد ملاحظة إبستمولوجية حاسمة غابت عن وعي هاتين المدرستين المتصارعتين؛ فلقد فات الطرفين إدراك حقيقة أن هناك احتمالاً ثالثاً بالإمكان تصوره وافتراضه عقلاً وعلماً يقوم على أساس متين مفاده أن القول بالخلق لا يتعارض بالضرورة المنطقية مع القول بالتطور. فالربط الساذج بين التطور والإلحاد، أو بين الخلق والسكون المورفولوجي (الشكلي)، هو عجز عن إدراك أن التطور ينطوي على الخلق انطواءَ الخلق على التطور؛ إذ إن الصيرورة والحركة والتحول (وهو ما يقوم عليه التطور) هي الآلية المادية المنسوجة في صُلب فعل الخلق الإلهي المستمر.
إن هذه المقاربة التوفيقية الجديدة تمتلك القدرة التامة على حل كافة الإشكالات المنطقية والفلسفية والعلمية التي يعجز عن التعامل الإبستمولوجي الصائب معها كل من القائلين بالتطور المادي غير الهادف، والقائلين بالخلق السكوني الجامد. فلقد وقع كل من هؤلاءِ وهؤلاء في مأزقه المعرفي لأنه فهم النص وفقاً لمقاربة تأويلية قاصرة لآيات القرآن الكريم، افتقرت إلى الصواب المعرفي وعجزت عن تبين ما ينطوي عليه النص القرآني من أبعاد تطورية عميقة ووثيقة الصلة بالخلق التطوري للإنسان، حيث تتحدث الآيات الكريمة صراحة عن “الطورية” في الخلق والإنشاء والتقدير اللاحق، وهو ما يبرهن على أن الحقيقة لم تكن يوماً رهينة لأي من السرديتين المتعصبتين، وإنما كانت تبحث عن عقل متجرد يرى وحدة الصنع من خلال حركية الوجود.

أضف تعليق