المشكلة بوصفها نمطَ وجودٍ إنساني… كيف جعل فائضُ التمثّل الإنسانَ عاجزًا عن ترك المشكلات تموت؟

لعلّ من أكثر الظواهر الإنسانية إثارةً للتأمل تلك النزعة الغريبة إلى إطالة عُمُر المشكلات وتأجيل حسمها، حتى حين تكون شروط الحل متاحة وواضحة. فالإنسان لا يتعامل مع المشكلة، في كثير من الأحيان، بوصفها عارضًا ينبغي إنهاؤه بأسرع وقت ممكن، بل بوصفها كيانًا ينبغي التعايش معه، وإعادة تفسيره، وإضافة طبقات جديدة من التعقيد إليه، حتى يتحول مع مرور الزمن إلى واقع مستقل بذاته يفرض منطقه الخاص على الجميع. والمثير للاهتمام أن هذه الظاهرة تكاد تكون غريبة عن اقتصاد الطبيعة ذاته. فالكائنات الحية الأخرى لا تملك ترف الإبقاء على المشكلات مفتوحة إلى أجل غير مسمى. فحين يواجه الحيوان خطرًا، فإنه إما أن يفر منه، أو يواجهه، أو يتكيف معه. أما أن يحول المشكلة إلى مشروع طويل الأمد يستنزف طاقته ويعيد إنتاج ذاته من خلالها، فذلك أمر لا يكاد نجد له نظيرًا خارج عالَم الإنسان.
ولعلّ السبب الأعمق وراء ذلك يكمن في ما أحدثته الانعطافة التمثّلية الكبرى من انفصال الإنسان عن البساطة الوظيفية التي تحكم عالم الطبيعة. فمنذ اللحظة التي أصبح فيها الإنسان أسيرًا لشبكات هائلة من التصورات والتأويلات والتوقعات والافتراضات، لم يعد ينظر إلى المشكلة كما هي، بل كما يتخيلها، وكما يخشى أن تصبح عليه، وكما يمكن أن يفسرها الآخرون، وكما قد تنعكس على صورته ومكانته ومصالحه المستقبلية. وهكذا تغدو المشكلة الواقعية الصغيرة نقطة انطلاق لسلسلة لا تنتهي من المشكلات المتخيلة التي تفوقها حجمًا وتعقيدًا.
ولعلّ من أخطر ما يترتب على هذا التحول أن الإنسان يفترض، بصورة تكاد تكون تلقائية، أن الحلول البسيطة لا يمكن أن تكون صحيحة. فكلما بدا الحل مباشرًا وواضحًا، ازداد ميله إلى الشك فيه. وكأن العقل البشري قد أصبح ينظر إلى التعقيد بوصفه دليلًا على العمق، وإلى البساطة بوصفها علامة على السذاجة. ولذلك كثيرًا ما يُستبعَد الحل الممكن لا لعيب فيه، بل لأنه لا يبدو معقدًا بما يكفي لإرضاء مخيلة الإنسان.
ومن هنا نفهم لماذا يميل الإنسان إلى تأجيل الحسم في كثير من القضايا التي لا يزيدها الزمن إلا تعقيدًا. فالمشكلة التي كان يمكن أن تُحل اليوم تصبح غدًا أكثر تشعبًا، وبعد سنوات تتحول إلى عقدة يصعب فكها، ثم ينتهي الأمر بالجميع إلى الاعتقاد بأنها كانت منذ البداية عصية على الحل، مع أنها لم تكن كذلك إلا بسبب التأجيل نفسه. ويكفي أن نتأمل العلاقات الإنسانية لنرى هذه الآلية بوضوح. فما يبدأ حبًا وغرامًا وإعجابًا متبادلًا بين شخصين يتحول إلى ارتباط، ثم إلى أسرة، ثم إلى شبكة متراكبة من الالتزامات والتوقعات والتمثلات المتبادلة. ومع مرور الزمن لا يعود الخلاف يدور حول المشكلة الأصلية، بل حول تراكمات من الذكريات والتأويلات وسوء الفهم والضغائن المؤجلة. وهكذا تصبح الحياة المشتركة ساحة لصراعات لا يكاد أي منها يمت بصلة إلى السبب الأول الذي أشعلها. والأمر ذاته يتكرر على مستوى الجماعات والمجتمعات. فقد يبدأ نزاع صغير بين طفلين أثناء اللعب، فيرتفع صوت أحدهما على الآخر، ثم يتدخل الأهل، ثم الأقارب، ثم الجيران، فتتشعب القضية وتتعدد رواياتها وتأويلاتها، حتى تتحول حادثة عابرة كان يمكن أن تنتهي خلال دقائق إلى خصومة طويلة الأمد لا يعرف أحد بعد سنوات كيف بدأت أصلًا. أما على المستوى السياسي، فإن الصورة تبدو أكثر وضوحًا وربما أكثر مأساوية. فقد كانت السياسة، في أصل معناها العملي، وسيلة لإدارة الشأن العام وحل النزاعات بين الجماعات والدول. غير أن كثيرًا من الممارسات السياسية المعاصرة تكشف عن تحول عميق في وظيفتها؛ إذ لم تعد بعض القوى الكبرى تتعامل مع الصراعات بوصفها مشكلات ينبغي إنهاؤها، بل بوصفها موارد استراتيجية ينبغي التحكم بدرجة اشتعالها. وهكذا يصبح الهدف ليس الوصول إلى حل نهائي، بل إبقاء النزاع في مستوى يسمح باستثماره سياسيًا واقتصاديًا وجيوسياسيًا.
ولذلك لم تعد بعض الحروب والأزمات الدولية تُدار بمنطق البحث عن تسوية تُنهي أسبابها، بل بمنطق إدارة التوتر وضبط إيقاعه. فالصراع الذي يُحسم يفقد قيمته الاستراتيجية، أما الصراع الذي يستمر دون أن يخرج عن السيطرة فيبقى مصدرًا للنفوذ والضغط والمكاسب وإعادة تشكيل موازين القوى.
إننا أمام نمط وجودي فريد لا يتمثل في عجز الإنسان عن حل المشكلات فحسب، بل في قدرته الاستثنائية على تحويل المشكلة إلى بنية مستقرة داخل حياته الفردية والجماعية. وكأن فائض التمثّل الذي منحه القدرة على تجاوز حدود الطبيعة قد منحه في الوقت نفسه قدرة موازية على مقاومة الحلول، وإطالة عمر الأزمات، والتشبث بالتعقيد حتى عندما تكون البساطة في متناول اليد.
ولهذا كله يحق لنا أن نتساءل: إذا كانت الطبيعة تُقاس بقدرة الكائن على التكيف مع بيئته وتقليل الهدر في الطاقة والموارد، فكيف يمكن وصف كائن يقضي جانبًا كبيرًا من حياته في إنتاج المشكلات التي كان يستطيع تجنبها، وفي تعقيد المشكلات التي كان يستطيع حلها، وفي إدامة الصراعات التي كان يستطيع إنهاءها، بأنه مجرد امتداد طبيعي للمسار ذاته الذي أفرز بقية الكائنات الحية؟
إن هذا الميل المزمن إلى تأجيل الحسم، وإعادة إنتاج الأزمات، والارتياب في الحلول البسيطة، لا يبدو مجرد سلوك عارض في التاريخ الإنساني، بل يكاد يكون أحد أكثر الشواهد دلالة على حجم القطيعة التي أحدثتها الانعطافة التمثّلية بين الإنسان وبين الاقتصاد الصارم الذي يحكم عالم الطبيعة. ولعلّ هذا ما يجعل السؤال عن طبيعة الإنسان الحقيقية أكثر إلحاحًا اليوم من أي وقت مضى: فهل نحن بالفعل الثمرة المنطقية لشجرة التطور الطبيعي، أم أننا نمثل انقطاعًا نوعيًا ما زالت العلوم والفلسفات عاجزة عن استيعاب مداه الكامل؟

أضف تعليق