الشجرة التي صنعت الإنسان… قراءة أنثروبولوجية جديدة في أصل الظاهرة الإنسانية

منذ أن بدأ الإنسان يتساءل عن أصله، ظل السؤال الأكثر حضورًا في خلفية جميع محاولات الإجابة هو: ما الذي جعل الإنسان إنسانًا؟ فما الذي حدث لهذا الكائن حتى أصبح مختلفًا إلى هذا الحد عن سائر الكائنات الحية التي تشاركه البنية البيولوجية الأساسية ذاتها؟ وكيف أمكن له أن ينتقل من مجرد كائن يتكيف مع بيئته إلى كائن يعيد تشكيل البيئة ذاتها، ويصنع الحضارات والفلسفات والعلوم والأساطير؟
لقد تعددت الإجابات التي قُدمت لهذا السؤال عبر التاريخ. فمرة نُسب الأمر إلى اللغة، ومرة إلى العقل، ومرة إلى الوعي الذاتي، ومرة إلى القدرة على استخدام الأدوات. غير أن هذه الإجابات جميعها تشترك في افتراض ضمني نادرًا ما جرى التشكيك فيه، وهو أن الخصائص التي تميز الإنسان قد ظهرت بصورة تدريجية عبر مسار طويل من التراكمات التطورية البطيئة. لكن ماذا لو كان هذا الافتراض نفسه بحاجة إلى إعادة نظر؟
فلقد رأينا في مجالات معرفية متعددة أن بعض الظواهر التي بدت طويلًا وكأنها نتاج مسار تراكمي متدرج اتضح لاحقًا أنها تنطوي على لحظات انعطافة فجائية. فالأنظمة المعقدة قد تبقى مستقرة قرونًا قبل أن تنهار فجأة. والكائن الحي قد يبدو معافى قبل أن تظهر عليه أعراض المرض بصورة مباغتة. وحتى الشيخوخة نفسها بدأت بعض الدراسات الحديثة تصف جوانب منها بوصفها سلسلة من القفزات والتحولات الحرجة أكثر من كونها انحدارًا تدريجيًا متواصلاً.
فإذا كانت الطبيعة تعرف مثل هذه التحولات الفجائية، فلماذا نفترض أن الظاهرة الإنسانية كانت استثناءً منها؟
إن إحدى أكثر السرديات إثارة للتأمل في هذا السياق هي السردية القرآنية المتعلقة بالأكل من الشجرة. فمن اللافت للنظر أن النص لا يقدم الحدث بوصفه عملية طويلة ممتدة عبر آلاف السنين، بل يربطه بفعل محدد ومفرد؛ حيث حدث “شيء ما”، أعقبه تغير جذري في وضع الإنسان وإدراكه لذاته وللعالم من حوله. ولقد اعتاد كثيرون النظر إلى هذه القصة بوصفها حكاية أخلاقية تتعلق بالطاعة والعصيان. غير أنه من الممكن النظر إليها من زاوية مختلفة تمامًا؛ زاوية أنثروبولوجية تتعامل مع الشجرة بوصفها رمزًا لذاكرة إنسانية بعيدة تحتفظ بصورة مشوشة عن حدث تأسيسي بالغ التأثير. ففي هذه القراءة لا تصبح الشجرة مجرد نبات مجهول النوع، بل تتحول إلى علامة على نقطة تحول بايولوجية وإدراكية فاصلة؛ نقطة دخل عندها عامل جديد إلى البنية البشرية، عامل لم يكتف بتحسين القدرات السابقة، بل أعاد تشكيل طريقة اشتغال العقل نفسه. وقد يكون أفضل اسم يمكن إطلاقه على هذا العامل هو “فائض التمثّل”. فالإنسان لا يختلف عن الحيوان في الإدراك وحده، بل في قدرته على إعادة إنتاج ما يدركه داخل ذهنه بلا حدود تقريبًا. إنه لا يرى الشيء فحسب، بل يفكر فيه ويتخيله ويخشاه ويتذكره ويعيد تأويله ويصنع حوله قصصًا ونظريات ورموزًا وأساطير. فلقد أصبح الإنسان يعيش داخل عالم ثانٍ موازٍ للعالم الخارجي؛ عالم التمثلات. وهنا يكمن جوهر التمايز الإنساني. فالحيوان قد يخاف من الخطر الموجود أمامه، أما الإنسان فيستطيع أن يخاف من خطر لم يقع بعد. والحيوان قد يتذكر حادثة وقعت له، أما الإنسان فيستطيع أن يعيد اجترارها آلاف المرات وأن يعاني منها سنوات طويلة بعد انتهائها. والحيوان يتعامل مع البيئة كما هي، بينما يتعامل الإنسان مع صورة ذهنية عن البيئة لا تقل تأثيرًا عن البيئة نفسها.
إن هذا الفائض التمثلي هو الذي جعل الإنسان قادرًا على اختراع الأساطير والعلم والفلسفة والفن. لكنه في الوقت نفسه هو الذي جعله قادرًا على اختراع الأوهام والخرافات والأيديولوجيات والحروب والقلق الوجودي.
ومن هنا تبرز فرضية مختلفة جذريًا عن السرديات التقليدية لأصل الإنسان. فربما لم يكن الحدث المؤسس للإنسانية هو ازدياد حجم الدماغ وحده، ولا تطور اليد، ولا اكتساب اللغة، بل ظهور هذا الفائض التمثلي ذاته. والأكثر إثارة أن ظهوره قد لا يكون حدث بالتدريج الذي اعتدنا افتراضه. فكما أن قطرة واحدة قد تكفي لإطلاق تفاعل كيميائي كامل، وكما أن شرارة صغيرة قد تشعل غابة بأكملها، فقد يكون التاريخ البشري قد شهد لحظة حرجة أدى فيها عامل بايولوجي أو كيميائي معين إلى إطلاق هذا الفائض التمثلي دفعة واحدة، أو على الأقل إلى إدخاله في طور جديد لم يكن موجودًا من قبل. وعند هذه النقطة تكتسب قصة الشجرة دلالة مختلفة تمامًا. فهي لم تعد قصة عن مخالفة أمر إلهي فحسب، بل أصبحت وصفًا رمزيًا للحظة خرج فيها الإنسان من نمط وجود طبيعي إلى نمط وجود جديد؛ وهي لحظة انتقل فيها الإنسان من الإدراك إلى فرط الإدراك، ومن التكيف إلى التمثل، ومن الحياة داخل الواقع إلى الحياة داخل شبكة لا نهائية من المعاني والرموز.
ولعل هذا يفسر لماذا يبدو الإنسان، منذ أقدم ما وصل إلينا من آثاره، مختلفًا بصورة يصعب ردها إلى مجرد زيادة كمية في الذكاء. فالفن الجنائزي، والطقوس الدينية، والرموز المجردة، والأساطير، والدفن المقصود للموتى، كلها تشير إلى كائن أصبح يعيش داخل عالم ذهني شديد التعقيد، عالم لا نجد له نظيرًا حقيقيًا في بقية الطبيعة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأنثروبولوجيا في المستقبل قد لا يكون: كيف ازداد ذكاء الإنسان؟ بل: كيف ظهر فائض التمثّل؟ فإذا كان هذا الفائض هو أصل الأساطير والفلسفة والعلم والفن والسياسة والحضارة، فإن فهمه قد يكون مفتاحًا لإعادة كتابة تاريخ الإنسان كله. وعندئذ لن تعود الشجرة مجرد عنصر هامشي في قصة قديمة، بل ستغدو رمزًا لأعظم انعطافة عرفها تاريخ الحياة على الأرض؛ الانعطافة التي صنعت الإنسان كما نعرفه اليوم، بكل ما فيه من عبقرية ومأساة، ومن إبداع واضطراب، ومن قدرة على فهم العالم وعجز عن التوقف عن إعادة تمثله.

أضف تعليق