
لطالما سقط منظرو الفكر السياسي في فخ “الرومانسية التدميرية”، حيث يُصوَّر العنف كعملية جراحية ضرورية لاستئصال الفساد من جسد المجتمع. ويحتل جورج سوريل، في كتابه “تأملات حول العنف”، مكانة مركزية في هذا الضلال، إذ منح “العنف” هالة قدسية، محولاً إياه من سلوك بدائي مدمر إلى “أسطورة” محركة للوعي الجمعي، ومحرضاً على التغيير عبر اصطدام مباشر مع الواقع. لكن هذه المقاربة، وما تبعها من أيديولوجيات استقت من معينها، لم تكن سوى استخفاف مرعب بطبيعة الإنسان، وتجاهلٍ متعمد لهشاشته التي لا تتحمل وقود العنف.
تنهل هذه النظريات من وهْمٍ قديم بأن الإنسان “حيوان عاقل” محكوم بمنطق التاريخ، قادر على ضبط غرائزه وتوظيف العنف كأداة إصلاحية تحت السيطرة. إلا أن التاريخ، ذلك السجل الدامي الذي يوثق تجليات “عقلانية” الإنسان المزعومة، يخبرنا بعكس ذلك تماماً. فالإنسان ليس سوى كائن هش، توازنُه النفسي والاجتماعي معلق بخيط رفيع من الأعراف والقيود. وحين تُمنح لهذا الكائن “مشروعية” ممارسة العنف بذريعة الإصلاح، فإننا لا نطلق “بطلاً تاريخياً”، بل نفتح بوابة لـ “التوحشية الكامنة”. فالعنف في جوهره ليس أداة سياسية، بل هو زلزال لا يمكن التحكم في تضاريس ما بعده.
إن النقد الأشد صرامة لا ينبغي أن يوجه لسوريل وحده، بل لكل من تبع هذا النهج متوهماً أن بإمكانه ركوب موجة العنف وتوجيه دفتها. فهؤلاء المنظرون يرتكبون إثماً فكرياً حين يفترضون أن “هشاشة الإنسان” ستتحول إلى “صلابة أخلاقية” في أتون الصراع. غير أن الواقع يثبت أن العنف يحوّل الرغبة في الإصلاح إلى فتنة عمياء؛ فبمجرد أن يُسمح للعنف بأن يعبر عن نفسه، يتخلى الإنسان عن سماته المزعومة كحفيد ل“الإنسان العاقل” وينخرط في دوامات من الفوضى، والحروب الأهلية، والانهيارات الأخلاقية التي سرعان ما ستأكل الأخضر قبل اليابس. فهذه النظريات المفرطة في رومانسيتها التدميرية تفتقر إلى المسؤولية؛ فهي تشعل الحرائق ثم تدعي “حكمة التنظير”، متجاهلة أن الفتنة حين يتم إيقاظها، لا تُبقي ولا تذر، وتجعل من الدمار غاية في حد ذاته.
إن الخطأ القاتل في “منهج الإصلاح بالعنف” هو الاعتقاد بإمكانية وجود “إجراءات احترازية” للجم الغريزة التدميرية. فالعنف سلوك متمرد بطبعه على الضوابط؛ فهو يستهلك كل ما يعترض طريقه، بما في ذلك القيم والمبادئ التي من أجلها قيل إننا نحمل السلاح. إن التاريخ البشري برهان ساطع على أن العقل البشري، حين يُطلق عنانه في سياق العنف، يبدع في ابتكار أشكال من الدمار تفوق بكثير قدرته على البناء أو الترميم.
يتبين لنا، وتدبر ما تقدم، أنه قد آن الأوان لنكف عن التغني بأسطورة “الإنسان العاقل” الذي يتخذ من القوة والدم وسيلة للرقي. فالإقرار بهشاشة الإنسان هو أول خطوة نحو الحكمة. فالإصلاح الذي لا يبدأ من حقيقة أن الإنسان كائن هش، يحتاج إلى الحماية من نزعاته التدميرية وليس إلى إطلاقها، وإلا كان إصلاحاً يُشيِّد قصوره على رمال متحركة. فالفتنة، التي كان من الأجدر أن تبقى نائمة في أغوار التاريخ، هي النتيجة الحتمية لكل من يظن أن الطريق إلى “اليوتوبيا (العالم المثالي)” لابد لها من أن تتخذ العنف سبيلها الوحيد والأوحد.
