استعصاء النفس البشرية على الإصلاح… من أقبية محاكم التفتيش الإسبانية الى مدافع الحرب الأهلية الإسبانية

كثيرون هم الذين يظنون أن تقادم الزمن كفيلٌ بتهذيب النفس البشرية، وأن الإنسان في إسبانيا القرن العشرين، بمدنيته ومعارفه، لابد أن يكون أرفع شأناً وأكثر رقياً أخلاقياً من سلفه في القرن السادس عشر. إلا أن قراءة متأنية في مسيرة التاريخ، من محاكم التفتيش التي أرادت تطهير الروح بالنار، إلى الحرب الأهلية الإسبانية التي أرادت تطهير الأرض بالدم، تُفضي بنا إلى حقيقةٍ موجعة مفادها أن النفس البشرية ليست دالةً للزمن.
فالجنون البشري لا يشيخ، ولا يتلاشى بمرور القرون، بل هو كامنٌ كالغريزة؛ يتلون بتغير الأيديولوجيات ويتبدل بتغير الأدوات. فما كان يُرتكب قديماً باسم “الخلاص الروحي”، صار يُرتكب لاحقاً باسم “الضرورة التاريخية” أو “العدالة السياسية. فالجنوح نحو الطغيان والاستعلاء ليس خللاً طارئاً في مسيرة الإنسان، بل هو طبيعةٌ جُبلت عليها النفس فلا ينصلح حالها بانقضاء السنين أو تعاقب الحضارات. وهنا يكمن الخطأ الفادح في الرهان على “الزمن” كمعلمٍ للأخلاق. فانصلاح النفس البشرية ليس عمليةً تلقائية تحدث بمرور الأيام، بل هو فعلٌ إرادي شاق، يتطلب من المرء ما يلي: المجاهدة، وذلك بحمل النفس على ما تكره، وإكراهها على ما تأباه من فضيلة وعدل. كما ويتطلب من المرء أيضاً أن يتحلى بالحزم والعزم. فالطريق إلى إصلاح النفس ليس طريقاً مفروشاً بالوعود، بل هو معركة يومية تقتضي صدقاً مع الذات يتجاوز الشعارات. فمن يتصدى لمهمة إصلاح النفس، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، يدرك أن الأمر ليس ترفاً فكرياً، بل هو عبءٌ يقتضي صبراً يضاهي صمود الجبال.
إن المقارنة بين محاكم التفتيش الإسبانية والحرب الأهلية الإسبانية لا تهدف إلى إثبات دموية التاريخ بقدر ما تهدف إلى إيقاظنا من غفلة “الاطمئنان للحداثة”. فنحن البشر لا نتطور أخلاقياً بمجرد وجودنا في زمنٍ أكثر تقدماً تكنولوجياً. فالتطور الأخلاقي هو “استثناء” لا يتحقق إلا حين يقرر الإنسان أن يقف في وجه نزعاته التدميرية، محطماً قيود الطغيان في داخله قبل خارجه.
إن الإصلاح ليس رحلةً عبر الزمن، بل هو رحلةٌ في عمق الإرادة. وكما قال العظماء، فإن أعظم المعارك هي تلك التي تُخاض في صمتٍ داخل النفس البشرية، حيث لا شهود إلا الله، ولا سلاح سوى العزم الصادق على أن نكون أكثر عبودية له، ليس لمجرد أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، بل لأننا نحن من قررنا ذلك.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنَّ المسافة التي تفصل بين أقبية محاكم التفتيش الإسبانية وساحات الحرب الأهلية في إسبانيا هي ليست سوى خطواتٍ في دائرةٍ مغلقةٍ مما جُبلت عليه أنفسنا معشر البشر من ولع بالطغيان وهوس بالاستعلاء ورغبة في الانصياع لأمر كل مَن أوتي المقدرة على أن يزين لنا الباطل لنراه حقاً لا يعلى عليه. فلقد أثبتت التجربة التاريخية أنَّ الحضارة ليست درعاً واقياً من الجنوح نحو الطغيان، بل هي أحياناً غطاءٌ يمنح الطغيان وجهاً مقبولاً. فحقيقة النفس البشرية، في عُريها من زيفِ التطور الزمني، تضعنا أمام استحقاقٍ أخلاقيٍّ وجودي مفاده: إما أن نرضخ لما جبلنا عليه من نفس طاغية لا تستسيغ الخضوع إلا لمن يَسوقها ظلماً وطغياناً، أو أن نضطلع بمهمة إصلاح أنفسنا وإن كان في ذلك ما يغضبها ويجعلها تثور وتتمرد علينا.
إنَّ أعظم معارك التحرير هي ليست تلك التي تُخاض في ميادين القتال، بل هي تلك التي ننتصر فيها على “دكتاتورنا الصغير” الكامن في أعماقنا. فما لم نكن حازمين مع أنفسنا في كبح جماح الاستعلاء، فسيبقى التاريخ يكرر فصوله ذاتها، وإن تغيرت الأسماء، وتبدلت العصور، وتطورت أدوات البطش.

أضف تعليق