لماذا نهى الله آدم عن “هذه الشجرة”؟… قراءة في الأمر الإلهي بوصفه تحذيراً من الانعطافة التطورية الأولى

من بين الأسئلة التي رافقت قصة آدم منذ أقدم العصور ذلك السؤال المتعلق بطبيعة الشجرة التي نُهي عنها آدم وزوجه. فما هي هذه الشجرة؟ وما نوعها؟ ولماذا اختيرت دون غيرها لتكون محور الحدث الأكثر تأثيراً في تاريخ الإنسان؟ غير أن اللافت للنظر أن القرآن الكريم لا يُبدي أي اهتمام بالإجابة عن هذه الأسئلة التي استغرقت المفسرين والباحثين قروناً طويلة. فالنص لا يخبرنا إن كانت الشجرة تفاحاً أم عنباً أم تيناً أم غير ذلك، بل إن الله تعالى يشير إليها إشارة بسيطة ومباشرة بقوله: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (١٩ الأعراف). إن التعبير القرآني هنا شديد الدلالة؛ فالله لا يصف الشجرة، ولا يذكر اسمها، ولا يكشف خصائصها، وإنما يكتفي بقوله: “هذه الشجرة”، وكأن هوية الشجرة ليست هي القضية الأساسية.
فالنص القرآني يقدم الله بوصفه العليم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء من مآلات الأحداث ونتائجها، ومن هنا فأن النهي عن الأكل من هذه الشجرة لم يكن نهياً اعتباطياً أو اختباراً مجرداً من الحكمة، بل كان تحذيراً من حدث بالغ الخطورة سوف يغيّر مسار هذا الكائن الناشئ تغييراً لا رجعة فيه.
وإذا ما تذكرنا ما تم تفصيله وتبيانه في المقالات السابقة، والقائم على أن الأكل من الشجرة قد قدح زناد انعطافة تطورية كبرى داخل البنية الإنسانية، فإن هذا النهي يكتسب معنى جديداً تماماً. فالشجرة لا تصبح مجرد شجرة من أشجار الجنة فحسب، وإنما تتحول إلى نقطة التحول التي بدأت عندها سلسلة طويلة من التغيرات التي انتهت بظهور الإنسان كما نعرفه اليوم.
فلقد تبين لنا سابقاً أن هذه الانعطافة تمثلت في إطلاق ما يمكن تسميته بآلية “فائض التمثّل”؛ أي ذلك الفيض غير المسبوق من القدرة على إنتاج الصور الذهنية والتجريدات والافتراضات والسيناريوهات والرموز والخيالات التي تجاوزت حدود الحاجة الطبيعية للكائن الحي. فالتمثّل بحد ذاته ليس ظاهرة إنسانية خالصة. فجميع الحيوانات تمتلك قدراً منه يسمح لها بالتعامل مع البيئة المحيطة. غير أن ما يميز الإنسان هو أن هذه الآلية خرجت لديه عن حدودها الطبيعية، وأصبحت تنتج عالماً كاملاً من التصورات التي لا وجود لها في الواقع الخارجي. ومن هنا نشأت الأساطير والإيديولوجيات والحروب العقائدية والأنظمة الرمزية والفنون والعلوم، والفلسفات واليوتوبيا والكوابيس، والمخاوف الوجودية، والقلق من المستقبل، والحنين إلى الماضي، وكل تلك العوالم التي يعيش الإنسان داخلها أكثر مما يعيش داخل العالم الواقعي نفسه. ومن هنا يمكن القول إن الحيوان يعيش في العالم، أما الإنسان فيعيش في تمثّلاته عن العالم.
ومن هذا المنظور يمكن إعادة فهم النهي الإلهي بوصفه تحذيراً من العواقب الكامنة وراء تلك النقلة الكبرى. فالله تعالى يعلم أن الأكل من الشجرة لن يؤدي إلى مجرد تغيير عابر، بل إلى تحول عميق سيُخرج الإنسان من حالة الانسجام التلقائي مع الطبيعة إلى حالة جديدة يصبح فيها أسير تمثلاته وصوره الذهنية. وسوف يكتشف الإنسان لأول مرة العري، والخوف، والقلق، والندم، والتردد، والرمزية، والتأويل، والتخطيط للمستقبل، والتمرد على الحاضر، وإعادة تشكيل الواقع وفق صور ذهنية لا تنتمي إليه بالضرورة. ولعل من اللافت أن أول أثر يذكره القرآن العظيم بعد الأكل من الشجرة هو انكشاف السوءات: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}. وهو حدث يمكن النظر إليه بوصفه أول تجلٍ لانفجار الوعي التمثلي؛ إذ لم يتغير الجسد نفسه، بل تغيرت طريقة إدراك الجسد. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالتحول لم يقع في العالم الخارجي، بل في الكيفية التي صار الإنسان يرى بها العالم ويرى نفسه.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان كائناً يعيش في الحاضر وحده، بل أصبح يعيش أيضاً داخل شبكة معقدة من التصورات والاحتمالات والمخاوف والآمال والتأويلات. وبهذا المعنى يصبح النهي عن الشجرة شبيهاً بتحذير مسبق من الدخول في طور جديد من الوجود الإنساني؛ وهو طور سوف يمنح الإنسان قدرات غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه سيحمله أعباءً لم تعرفها بقية الكائنات الحية. لقد اكتسب الإنسان بفضل هذه النقلة اللغة والرمز والفن والعلم والحضارة، لكنه اكتسب معها أيضاً القلق الوجودي، والاغتراب، والصراع الفكري، والانقسام الداخلي، والعجز المزمن عن التعايش الكامل مع الطبيعة.
ومن هنا فإن السؤال عن نوع الشجرة قد لا يكون هو السؤال الأهم. فالأهم من ذلك كله هو: لماذا نهى الله عنها؟ والجواب الذي يقدمه هذا التصور هو أن النهي لم يكن متعلقاً بالشجرة لذاتها، بل بما كانت تختزنه من إمكانية إطلاق تلك السلسلة الهائلة من التحولات التي ستفضي في النهاية إلى ظهور الإنسان بوصفه الكائن الأكثر قدرة على التمثّل، والأكثر معاناة من نتائج هذه القدرة في آن واحد. وبذلك فإن قول الله تعالى “هذه الشجرة” لا تبدو إخفاءً لمعلومة ثانوية بقدر ما تبدو صرفاً لانتباه القارئ عن ماهية الشجرة نحو ما هو أهم منها بكثير: النتائج الحضارية والنفسية والوجودية التي ترتبت على الأكل منها، والتي لا تزال البشرية تعيش آثارها حتى يومنا هذا.

أضف تعليق