
من بين أكثر المفارقات إثارةً للتأمل في تاريخ الإنسان تلك العلاقة الغريبة التي أقامها مع عالم الحيوان. فمنذ أقدم العصور اعتاد البشر استخدام أسماء الحيوانات بوصفها ألفاظًا للذم والاحتقار. فالإنسان الجبان يوصف بالنعجة أو الأرنب، والإنسان الغادر يوصف بالثعلب، والشره بالخنزير، والقاسي بالذئب، والغبي بالحمار، والمتسخ بالكلب، والمخادع بالأفعى، والمتوحش بالوحش الكاسر. بل إن اللغات البشرية تكاد تتفق، على اختلاف ثقافاتها وأديانها وأعراقها، على تحويل الحيوان إلى مستودع رمزي لكل الصفات التي يرغب الإنسان في التنصل منها. وللوهلة الأولى قد يبدو هذا الأمر مجرد أسلوب لغوي عابر، لكنه في الحقيقة يكشف عن بنية معرفية أعمق بكثير. فهو يعكس تصورًا ضمنيًا يجعل الحيوان مثالًا للانحطاط، ويجعل الإنسان مثالًا للرقي والسمو، بحيث يغدو أسوأ البشر أقرب إلى الحيوان، وأفضلهم أبعد عنه. غير أن هذا التصور يثير سؤالًا لا يكاد يُطرح بالجدية الكافية: هل يستحق الحيوان فعلًا هذه السمعة التي ألصقها به الإنسان؟ إن نظرة عاجلة إلى عالم الحيوان تكفي لإظهار أن معظم الصفات التي يُشتم الناس بها ليست موجودة أصلًا لدى الحيوانات بالمعنى الذي توجد به لدى البشر. فالحيوان لا يخوض الحروب العقائدية، ولا يقيم معسكرات الإبادة، ولا يمارس التعذيب المنظم، ولا يبتكر أسلحة الدمار الشامل، ولا ينشئ شبكات الاحتيال المالي، ولا يختلق الأكاذيب السياسية، ولا يشن حملات التضليل الإعلامي، ولا يبني أنظمة الاستعباد الجماعي. والحيوان لا يقتل ملايين الأفراد من جنسه بسبب اختلاف الرأي أو العقيدة أو العرق أو الهوية، بل إن كثيرًا من السلوكيات التي يصفها الإنسان بالوحشية لا تكاد تمثل شيئًا أمام ما ارتكبه الإنسان نفسه عبر تاريخه الطويل. فالذئب لا يقتل إلا حين يجوع أو يدافع عن نفسه، والأسد لا يبيد قطيعًا كاملًا من الفرائس لغرض التسلية، والنمر لا يحتل أراضي بعيدة عن موطنه الطبيعي بحثًا عن الهيمنة، أما الإنسان فقد فعل كل ذلك وأكثر. والأغرب من ذلك أن الإنسان لا يكتفي بإسقاط عيوبه على الحيوان، بل يعيد إنتاج هذه الصورة في أدبه وفنونه وثقافته الشعبية. ويكفينا أن نتأمل عناوين لا حصر لها من الأفلام والروايات والمسلسلات التي تستخدم عالم الحيوان بوصفه استعارة للهمجية والجريمة والانحطاط. ومن الأمثلة الدالة على ذلك اختيار عنوان “Animal Kingdom” لأعمال درامية تتمحور حول الجريمة المنظمة والانحراف الأخلاقي. فالعنوان نفسه يكشف عن افتراض ثقافي راسخ مفاده أن عالم الحيوان هو العالم الذي تنتمي إليه الفوضى والعنف والافتراس. لكن المفارقة أن هذا التصور ينقلب رأسًا على عقب بمجرد النظر إلى الوقائع. فالمملكة الحيوانية ليست المكان الذي ظهرت فيه الإبادات الجماعية، ولا التعصب الديني، ولا الحروب العالمية، ولا الاستعمار، ولا القنابل النووية، ولا غرف التعذيب، ولا الأسواق المالية التي تدمر اقتصادات شعوب بأكملها. فالذي أنتج هذه الظواهر كلها ليس الحيوان، بل الإنسان وحده. وهنا تظهر أهمية إعادة النظر في السردية التقليدية التي تفترض أن الإنسان يمثل ذروة التطور الأخلاقي وأن الحيوان يمثل المرحلة الدنيا التي تجاوزها. فلو كان معيار التفوق هو القدرة على العيش ضمن حدود الطبيعة، لربما كان الحيوان أكثر نجاحًا من الإنسان. ولو كان المعيار هو الانسجام مع البيئة، لكان الحيوان أكثر توازنًا. ولو كان المعيار هو تجنب التدمير الذاتي، لكان الحيوان أقل انخراطًا في السلوك الانتحاري الجماعي الذي يميز الحضارات البشرية.
ومن منظور الأطروحة التي تتبناها هذه المقالة، فإن الإنسان قد خرج عن مساره الطبيعي بفعل الانعطافة التطورية الأولى وما أطلقته من آلية فائض التمثّل. وبذلك تصبح هذه الظاهرة المتمثلة في لجوء الإنسان إلى هذا الأسلوب المبتذل من التعامل مع الحيوان أمراً مفهوماً، ولكن على نحو مختلف تمامًا. فالإنسان لا يسيء فهم الحيوان لأنه يجهله فحسب، بل لأنه يعجز عن رؤية مقدار ابتعاده هو نفسه عن الحالة الطبيعية التي لا يزال الحيوان يجسدها.
إن الحيوان يمثل للإنسان مرآة مزعجة. فهو يذكره، على نحو غير واعٍ، بأصل طبيعي يحاول باستمرار التنصل منه. ولذلك يصبح الحيوان هدفًا مثاليًا للإسقاط النفسي. فكلما ازدادت المسافة بين الإنسان والطبيعة، ازداد ميله إلى تصوير الحيوان بوصفه رمزًا للنقص والانحطاط.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: لماذا نشتم بعض البشر فنصفهم بالحيوانات؟ بل على العكس تمامًا: ما الذي اقترفته الحيوانات حتى نُلحق بها هذه الإهانة؟ فإذا كان ثمة كائن يستحق أن يُنظر إليه بوصفه الخارج الحقيقي على نظام الطبيعة، فليس هو الذئب ولا الثعلب ولا الحمار ولا الأفعى، بل ذلك الكائن الذي استطاع، بفضل فائض التمثّل، أن يحول الأرض كلها إلى امتداد لصراعاته وأوهامه ومخاوفه وأساطيره. وذلك الكائن هو الإنسان نفسه.
