
في المقالة السابقة رأينا كيف اعتاد الإنسان أن يلقي بأسوأ ما فيه على عالم الحيوان، حتى أصبحت أسماء الحيوانات في معظم اللغات مرادفات للغباء والخيانة والقذارة والوحشية والمكر والانحطاط الأخلاقي. وكأن الإنسان، بدلاً من مواجهة عيوبه الخاصة، وجد في الحيوان مرآةً ملائمة يعكس عليها كل ما يخجل من الاعتراف بوجوده في ذاته. غير أن المفارقة الكبرى تتمثل في أن الإنسان نفسه هو الذي قدم، ومن دون أن يشعر أحيانًا، أقوى الأدلة على بطلان هذه الصورة كلها. فإذا كان مسلسل (مملكة الحيوان) قد اتخذ من “عالَم الحيوان” عنوانًا له ليصف عالَمًا من الجريمة والعنف والخيانة والصراع، فإن عملاً آخر أكثر شهرة وانتشارًا قد اختار عنوانًا أكثر صدقًا ودقة. إنه مسلسل “لعبة العروش”.
ولعل الفرق بين العملين يكشف شيئًا ذا دلالة بالغة. ففي المسلسل الأول جرى تحميل الحيوان مسؤولية صفات لا تخصه أصلًا، بينما في الثاني لم يكن ثمة حاجة إلى أي إسقاط أو استعارة. فكل ما احتاجه العمل هو أن يعرض الإنسان كما هو
إن عالم (لعبة العروش) ليس عالم الحيوانات، بل هو عالم البشر؛ عالم الطموح الأعمى، والشك المزمن، والمؤامرات، والخيانة، والطغيان، والقتل، والحروب، والانتهازية، والسعي المحموم إلى السلطة مهما بلغت الكلفة الإنسانية والأخلاقية. وهو لذلك لا يقدم شيئًا غريبًا عن التاريخ البشري، بل يقدم نسخة مكثفة منه. فلقد شاهد الملايين هذا المسلسل لأنهم وجدوا فيه شيئًا مألوفًا بصورة عجيبة. فالشخصيات ليست وحوشًا خيالية بقدر ما هي تمثلات تخيلية لميول بشرية رافقت الإنسان منذ أقدم العصور. فالملوك والطغاة والقادة والحكام والثوار والخونة والعشاق والمنتقمون جميعهم يتحركون داخل البنية النفسية ذاتها التي عرفها التاريخ الحقيقي مرارًا وتكرارًا. ولهذا السبب فإن المسلسل لا ينجح لأنه يقدم عالماً خيالياً، بل لأنه يقدم الإنسان؛ فهو يعرض ذلك الكائن الذي لا يكاد يحصل على سلطة حتى يبدأ بإساءة استخدامها، ولا يكاد يمتلك الثروة حتى يخشى فقدانها، ولا يكاد يبلغ الأمان حتى يبدأ باختراع مخاوف جديدة؛ فهو الكائن الذي يحول الشك إلى عقيدة، والطموح إلى إدمان، والخوف إلى آلة لإنتاج العنف. ومن هذه الزاوية يغدو مسلسل (عالم العروش) أقرب إلى شهادة تاريخية رمزية منه إلى عمل ترفيهي؛ فهو أشبه بمحضر اتهام طويل للجنس البشري. ولكن مغزى هذه الشهادة لا يكمن في فضح الإنسان فحسب، بل في أنها تكشف أيضًا عن مفارقة عميقة. فبينما يمضي الإنسان جزءًا كبيرًا من حياته وهو يتحدث عن رقيه الأخلاقي وتفوقه العقلي وسموه الحضاري، فإن الوقائع التي يصنعها بنفسه كثيرًا ما تكذب هذه السردية المتفائلة.
فلقد أباد الإنسان أممًا بأكملها، وأشعل الحروب العالمية، واخترع أسلحة قادرة على محو الحياة من الكوكب، واستعبد أخاه الإنسان، واستنزف الطبيعة، وأفسد البيئة، ثم ما يزال يصر على تقديم نفسه بوصفه تاج الخليقة وحامل لواء الأخلاق.
ولعل المثير للتأمل أن معظم الحيوانات التي يتهمها الإنسان بالوحشية لا تقترب أصلًا من حجم الدمار الذي ألحقه هو بالعالم. فالذئب لا يشن حربًا عالمية. والأسد لا يبني معسكرات إبادة. والثعلب لا يخترع نظريات لتبرير اضطهاد الملايين. أما الإنسان فقد فعل ذلك كله، ثم وجد الوقت الكافي لكتابة القصائد في مديح نفسه.
ولهذا يصح أن نقول عن مسلسل (لعبة العروش) ما لا يصح قوله عن مسلسل (مملكة الحيوان): “وشهد شاهد من أهلها”. فالإنسان هو نفسه من كتب هذه الشهادة على نفسه. وهو الذي أنتجها ومولها وشاهدها وأعجب بها. وهو الذي اعترف، ولو بصورة غير مباشرة، بأن عالم الصراع والسلطة والخداع الذي يملأ أحداثها ليس إلا انعكاسًا لما يعرفه جيدًا عن ذاته. غير أن الوقوف عند حدود الإدانة لا يكفي، فالمشكلة ليست في معرفة طبيعة النفس البشرية فحسب، بل في السؤال الذي يترتب على هذه المعرفة: ماذا بعد؟ فإذا كانت هذه النفس قادرة باستمرار على إعادة إنتاج الدورات ذاتها من الطمع والعنف والصراع، وإذا كان التاريخ يبدو أحيانًا وكأنه مواسم متتابعة من (لعبة العروش) تتغير فيها الأسماء والأزياء والرايات بينما تبقى الحبكة الأساسية كما هي، فإن الواجب الحقيقي لا يتمثل في وصف المرض، بل في البحث عن العلاج.
إن الاعتراف بهشاشة الإنسان وضعفه وتناقضاته ليس دعوة إلى اليأس، بل هو بداية الطريق نحو الإصلاح. فالكائن الذي يدرك حدود نفسه يصبح أقدر على مراقبتها، والكائن الذي يعترف بقدرته على ارتكاب الأخطاء يصبح أكثر استعدادًا لتصحيحها. وربما كان الخطر الأكبر لا يكمن في الشر نفسه، بل في الوهم الذي يجعل الإنسان يعتقد أنه بريء منه، فما دام الإنسان يواصل إسقاط عيوبه على الآخرين، وعلى الحيوانات، وعلى الشعوب الأخرى، وعلى خصومه السياسيين والدينيين والفكريين، فسوف يبقى عاجزًا عن رؤية المصدر الحقيقي للمشكلة. أما حين يجرؤ على النظر إلى المرآة، وحين يتعامل مع نفسه بالصرامة نفسها التي يتعامل بها مع الآخرين، فربما يصبح من الممكن أخيرًا كسر الحلقة القديمة. وحينها فقط قد ننجح في منع التاريخ من إنتاج موسم جديد من (لعبة العروش). موسم تتغير فيه الشخصيات، وتتبدل الرايات، وتختلف الشعارات، لكن النهاية تبقى هي النهاية نفسها دائمًا: عرش فوق أنقاض لا تنتهي.
