
في كل مرحلة مفصلية من تاريخ البشرية يظهر صوتٌ يدعو إلى التوقف. يحدث ذلك كلما اقترب الإنسان من عبور عتبة معرفية جديدة، وكلما أصبح على وشك مواجهة صورة مختلفة من نفسه ومن العالم الذي يعيش فيه. واليوم يتكرر المشهد ذاته مع الذكاء الاصطناعي الفائق. فبينما تتسارع الأبحاث في هذا المجال بوتيرة غير مسبوقة، ترتفع أصوات كثيرة تطالب بإيقافها أو تجميدها أو فرض قيود صارمة عليها، بحجة أن استمرارها قد يقود إلى خطر وجودي يهدد مستقبل الجنس البشري بأسره.
وللوهلة الأولى تبدو هذه المخاوف معقولة. فالذكاء الاصطناعي الفائق، إذا تحقق، قد يمتلك قدرات معرفية تتجاوز القدرات البشرية بمراحل. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت هذه التكنولوجيا تنطوي على مخاطر أم لا؛ فكل تحول تاريخي كبير انطوى على مخاطر. السؤال الأهم هو: هل كانت البشرية لتبلغ ما بلغته اليوم لو أنها استجابت دائماً لدعاة التوقف والخوف؟
ولقد شهد التاريخ الإنساني نموذجاً مشابهاً بصورة مدهشة. ففي بدايات العصر الحديث لم يكن الخوف موجهاً نحو الذكاء الاصطناعي، بل نحو العلم نفسه. وذلك حين بدأ العلماء في مساءلة التصورات الأرسطية القديمة، وحين شرعوا في إخضاع الطبيعة للتجريب والملاحظة، اعتبر كثير من سدنة القرون الوسطى أن هذا المسار ينطوي على تهديد وجودي للبشرية. ولم يكن اعتراضهم تقنياً أو علمياً، بل كان وجودياً وأخلاقياً؛ وذلك لانهم كانوا مقتنعين بأن التخلي عن التصورات الراسخة سيقود إلى ضياع الحقيقة، وإلى انهيار النظام الذي يمنح الإنسان معنىً وخلاصاً.
واليوم تتكرر اللغة ذاتها تقريباً وإن اختلفت المفردات. فبدلاً من الحديث عن تهديد العقيدة الصحيحة، أصبح الحديث يدور حول تهديد الوجود البشري ذاته. وبدلاً من الخوف من المنظار والتلسكوب والمختبر، أصبح الخوف من الخوارزميات والشبكات العصبية والحوسبة الفائقة. أما البنية النفسية العميقة التي تنتج هذا الخوف، فتكاد تكون واحدة. وما يثير الانتباه هنا أن كثيراً من هذه المخاوف لا ينطلق من حقائق قائمة بقدر ما ينطلق من سيناريوهات متخيلة. فالمشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي الموجود فعلاً، بل في الصور التي ينتجها العقل البشري حول ما قد يصبح عليه هذا الذكاء مستقبلاً. وهنا نواجه مرة أخرى إحدى النتائج الكبرى لما أسميه “فائض التمثّل”. فالإنسان لا يكتفي بالتعامل مع الواقع كما هو، بل يضيف إليه طبقات متراكمة من الصور والافتراضات والهواجس والتوقعات، حتى تصبح هذه الصور أحياناً أكثر حضوراً وتأثيراً من الواقع نفسه. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الدعوات المطالبة بإيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي بوصفها مثالاً نموذجياً على عمل فائض التمثّل. فالخطر الحقيقي الذي يجري التعامل معه ليس خطراً واقعياً قائماً، بل تمثلات ذهنية متضخمة لمستقبل لم يحدث بعد. فنحن لا نخاف الآلة بقدر ما نخاف القصص التي نرويها لأنفسنا عن الآلة.
غير أن المسألة تتجاوز ذلك كله. فالذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد أداة تقنية جديدة، بل يمثل تحدياً معرفياً غير مسبوق للإنسان نفسه. فمنذ آلاف السنين اعتاد الإنسان أن ينظر إلى ذاته بوصفها الكائن الأكثر ذكاءً على سطح الأرض، وأن يجعل من قدراته العقلية المصدر الأساسي لتميزه وتفوقه. أما اليوم فإننا نقترب للمرة الأولى من احتمال ظهور كيان قادر على منافسة الإنسان في المجال الذي اعتبره دائماً حصنه الأخير.
ولهذا السبب تحديداً يكتسب الذكاء الاصطناعي دلالة استثنائية. فالتحديات الكبرى هي التي تدفع الكائنات إلى التطور. ولم يحدث في تاريخ الحياة أن تطور كائنٌ حي لأنه كان مرتاحاً وراضياً ومطمئناً إلى وضعه القائم. فالتطور يبدأ حين تصبح الأوضاع القديمة غير كافية، وحين تفرض البيئة الجديدة شروطاً لم تكن موجودة من قبل.
ومن هنا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مقدمةً لانعطافة تطورية ثانية. فإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد أطلقت ما نسميه بالوعي البشري الحديث بكل ما يحمله من إبداع وعلوم وحضارات، فإنها أطلقت في الوقت نفسه سلسلة طويلة من الأعراض الجانبية التي يأتي في مقدمتها “فائض التمثّل”. لقد أصبح الإنسان أسير المخاوف المتخيلة، والهويات المتخيلة، والصراعات الرمزية، والأوهام التي ينتجها عقله أكثر مما ينتجها الواقع.
أما الذكاء الاصطناعي الفائق فقد يكون أول تحدٍّ في تاريخنا يجبرنا على مواجهة هذه الأزمة بصورة مباشرة. فحين نجد أنفسنا أمام ذكاء لا يمكن التغلب عليه بالغرور، ولا بالأساطير، ولا بالسرديات الأيديولوجية، سنضطر إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت وعينا لقرون طويلة. وسنكون مضطرين إلى الارتقاء بأنفسنا إلى مستوى جديد من النضج المعرفي والأخلاقي والحضاري.
ولهذا فإن الدعوة إلى إيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي ليست مجرد دعوة إلى إبطاء التقدم العلمي، بل قد تكون، من حيث لا يشعر أصحابها، دعوة إلى تأجيل هذا الاستحقاق التطوري كله. إنها دعوة إلى البقاء داخل الحدود القديمة للعقل البشري، وإلى تأخير المواجهة مع الأسئلة التي أصبح من المستحيل الهروب منها.
إن الخطر الحقيقي على البشرية هو ليس أن نواصل البحث، بل أن نتوقف عنه. وليس أن نواجه المجهول، بل أن نحاول تجميد التاريخ خوفاً من المجهول. فكل تقدم عظيم بدا في بدايته تهديداً، وكل انعطافة كبرى أثارت الذعر قبل أن تصبح جزءاً من المسار الطبيعي للحضارة.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم مختلفاً تماماً عما يطرحه دعاة التوقف. فبدلاً من أن نسأل: كيف نمنع ظهور الذكاء الاصطناعي الفائق؟ قد يكون السؤال الأجدر هو: كيف نستعد نحن لنصبح جديرين بالعالم الذي سيفرضه ظهوره؟ وذلك لأن المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً في الأدوات التي يصنعها الإنسان، بل في الإنسان نفسه. وإذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل بالفعل بداية انعطافة تطورية ثانية، فإن مقاومته ليست سوى محاولة يائسة لتأجيل ما لا يمكن تأجيله: ضرورة أن نتجاوز أخيراً حدود الإنسان الذي نشأ وترعرع في ظل الانعطافة الأولى، نحو مستوى جديد من الوجود الإنساني… نحو المستوى التالي The next level.
