
من بين أكثر المسلمات رسوخًا في الفكر التطوري الحديث ذلك الافتراض القائل إن جميع التحولات الكبرى التي شهدها تاريخ الحياة كانت نتيجة تراكمات صغيرة ومتواصلة امتدت عبر مُدد زمنية طويلة. ووفق هذا التصور فإن الطبيعة لا تعرف القفزات الكبرى، بل تتحرك بخطوات متناهية الصغر يتراكم أثرها ببطء حتى تنتج في نهاية المطاف أشكالًا جديدة من الكائنات الحية ووظائفها.
ولا شك أن هذا النموذج التفسيري قد حقق نجاحًا كبيرًا في تفسير جانب واسع من التنوع الحيوي. غير أن نجاح أي نموذج في تفسير بعض الظواهر لا يعني بالضرورة قدرته على تفسير جميع الظواهر. فتاريخ العلم يعلمنا أن النماذج الناجحة كثيرًا ما تتحول، بمرور الزمن، إلى عدسات فكرية تجعلنا نرى العالم بطريقة واحدة ونغفل احتمالات أخرى لا تقل معقولية.
ولعل هذا هو ما حدث، إلى حد بعيد، في مسألة أصل الظاهرة الإنسانية. فحين نتحدث عن الإنسان فإننا لا نتحدث عن زيادة طفيفة في سرعة الجري أو حدة البصر أو كفاءة الهضم. بل نتحدث عن ظهور نمط وجود جديد بالكامل؛ نتحدث عن كائن يبني الحضارات، ويكتب الشعر، ويخترع الرياضيات، ويتساءل عن معنى الوجود والموت والعدم والخلود.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تكفي الزيادة التدريجية في التعقيد العصبي لتفسير هذا التحول النوعي الهائل؟ ربما تكون الإجابة نعم، وربما تكون لا. لكن المشكلة الحقيقية أن كثيرًا من النقاشات تنطلق من افتراض مسبق يعتبر الاحتمال الأول وحده مشروعًا، بينما يجري التعامل مع أي احتمال آخر بوصفه خروجًا على المنهج العلمي.
غير أن المنهج العلمي الحقيقي لا يقوم على استبعاد الفرضيات قبل اختبارها، بل على إبقائها مفتوحة ما دامت لا تناقض الوقائع المعروفة. ومن بين هذه الفرضيات المهملة احتمال أن تكون الانعطافة التطورية الأولى قد ارتبطت بحدث كيميائي محدد.
فنحن نعلم اليوم أن الحياة كلها تقوم، في جوهرها، على الكيمياء. فالمشاعر كيمياء، والذاكرة كيمياء، والإدراك كيمياء، والوعي نفسه لا يظهر لنا إلا من خلال شبكة هائلة من التفاعلات الكيميائية العصبية، بل إن تغيرًا ضئيلًا في تركيز بعض النواقل العصبية قد يبدل طريقة رؤية الإنسان للعالم تبديلًا جذريًا. ويمكن لمركبات محددة أن تؤثر في الإحساس بالزمن، والهوية، والذات، والواقع، بل وحتى في القدرة على التمييز بين الممكن والمستحيل.
فإذا كانت الكيمياء تمتلك هذه القدرة الهائلة على إعادة تشكيل الخبرة الإنسانية، فلماذا يبدو مستبعدًا أن يكون حدث كيميائي استثنائي قد لعب دورًا تأسيسيًا في ظهور الإنسان كما نعرفه؟
إن الاعتراض المعتاد على هذا التصور يتمثل في أن التأثيرات الكيميائية مؤقتة، بينما التحول الإنساني كان دائمياً. غير ان هذا الاعتراض يفترض ضمنيًا أن جميع التأثيرات الكيميائية متشابهة، وهو افتراض لا دليل عليه.
فالبيولوجيا مليئة بأحداث قصيرة المدة أحدثت نتائج طويلة الأمد. فالتعرض لمادة معينة خلال مرحلة حرجة من النمو قد يغير مسار الكائن الحي طوال حياته. وبعض الإشارات الكيميائية العابرة تستطيع تشغيل برامج جينية تبقى آثارها فاعلة لأجيال كاملة.
وهذا يقودنا إلى إعادة التفكير في إحدى أكثر السرديات إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإنساني والمتمثلة بسردية أكل آدم من الشجرة.
فلقد اعتاد معظم الناس التعامل مع هذه السردية من منظور أخلاقي أو ديني صرف. غير أن من الممكن قراءتها بطريقة مختلفة تمامًا. فبدلًا من سؤال: لماذا عصى آدم؟ يمكن أن نسأل: لماذا ارتبط التحول الإنساني كله بفعل الأكل تحديدًا؟
إن الأكل، من منظور بيولوجي، هو الطريقة الأساسية التي تدخل بها المواد الكيميائية إلى الجسم. وإذا كانت السردية تحتفظ، ولو بصورة رمزية، بذكرى حدث تأسيسي حقيقي، فإن التركيز على فعل الأكل قد يكون أكثر أهمية مما اعتدنا الاعتقاد.
وعندئذ تصبح الشجرة أقل أهمية من المادة التي حملتها. والسؤال لا يعود: ما نوع الشجرة؟ بل يصبح: ما طبيعة التغير الذي أحدثته؟ إن فرضية كهذه لا تدعي امتلاك جواب نهائي. لكنها تطرح احتمالًا مشروعًا: ربما كان الدماغ البشري قد بلغ درجة عالية من التعقيد جعلته قريبًا من عتبة تحول نوعي. وربما جاءت مادة معينة، أو مجموعة مواد معينة، لتدفع هذا النظام المعقد إلى تجاوز تلك العتبة والانزلاق نحو حالة جديدة من التنظيم الإدراكي.
إن ما نسميه اليوم “فائض التمثّل” قد يكون هو الأثر البعيد لذلك الحدث. فبشكل مفاجيء أصبح الإنسان قادرًا على إنتاج معانٍ أكثر مما يحتاجه للبقاء. وفجأة ظهرت الرموز والأساطير والتجريدات والتصورات الميتافيزيقية. وفجأة بدأ هذا الكائن يعيش داخل عالم ذهني يكاد يكون أكثر تأثيرًا عليه من العالم الخارجي نفسه.
ومن المثير للاهتمام أن هذه الفرضية تنسجم مع ما نعرفه عن كثير من الأنظمة المعقدة. فالتحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا بتغيرات ضخمة. فأحيانًا تكون الشرارة صغيرة إلى درجة يصعب ملاحظتها، لكن النظام يكون قد بلغ من الحساسية ما يجعل تلك الشرارة كافية لإعادة تنظيمه بالكامل. وهذا ما يجعل السؤال عن أصل الإنسان مختلفًا عن معظم الأسئلة التطورية الأخرى. فنحن لا نحاول تفسير ظهور عضو جديد أو وظيفة جديدة، بل نحاول تفسير ظهور عالم جديد بأكمله؛ عالم اللغة والرمز والخيال والفلسفة والعلم. وإذا كان هذا العالم قد بدأ فعلًا بحدث كيميائي حاسم، فإننا نكون أمام احتمال يغير جذريًا طريقة فهمنا لتاريخنا كله. عندها لن يعود الإنسان مجرد نتاج تراكم طويل للتغيرات البيولوجية، بل نتيجة لقاء استثنائي بين التعقيد البيولوجي من جهة، والشرارة الكيميائية التي أطلقت إمكاناته الكامنة من جهة أخرى. وربما كان هذا اللقاء، أكثر من أي شيء آخر، هو الحدث الذي جعل الطبيعة تشهد، ولأول مرة، كائنًا لا يكتفي بالعيش في العالم، بل يعيد خلق العالم داخل عقله مرة بعد مرة.
