عندما ترفض المرآة صورتها… فيلم “Across the Universe” وصدام متلازمة فيتنام

في تاريخ السينما، ثمة أفلام تُظلم ليس لنقص في إبداعها، بل لأنها جاءت لتضع المجتمع أمام مرآة لا يرغب في النظر إليها. ففيلم Across the Universe للمخرجة جولي تيمور هو ليس مجرد استعراض موسيقي لأغاني فريق البيتلز، بل هو “وثيقة بصرية” أبت أن تكون محايدة. ورغم اعتباره فشلاً تجارياً في عام 2007، إلا أن التدقيق في سياق العرض يكشف حقيقة مغايرة. فالفيلم لم يكن هو الفاشل، بل كان الجمهور الأمريكي، تحت وطأة “متلازمة فيتنام”، هو العاجز عن استيعاب درس التاريخ في لحظة تكراره. ففي عام 2007، كانت الولايات المتحدة غارقة في “حرب العراق” التي شنتها إدارة جورج بوش الابن؛ حيث كانت الأمة الامريكية في حالة انقسام حاد، أعاد إلى الأذهان صدمات حقبة الستينيات واوائل السبعينيات. وهنا تبرز العلة الجوهرية لانصراف الجماهير؛ فقد جاء الفيلم ليذكّرهم بـ “متلازمة فيتنام” (Vietnam Syndrome)؛ تلك الجراح التي لم تندمل بعد، والصدام المرير بين السلطة (في عهدي جونسون ونيكسون) وبين ضمير الشباب والمثقفين.
فلم يرغب المشاهد الأمريكي آنذاك في مواجهة هذا التوازي المرعب بين “فيتنام الأمس” و”عراق اليوم”. فالفيلم كان يطالب المشاهد بالتحلي بوعي أخلاقي تجاه الظلم، وهو ما كان يمثل ضغطاً نفسياً لا تطيقه ذائقة عامة كانت تبحث عن “الهروب” (Escapism) لا عن “المواجهة” (Confrontation).
ومن الناحية الفنية، فلقد قدم الفيلم مرافعة شاعرية بليغة؛ فقصة “الحب الرقيق” بين “جود” (الوافد من ماضي أمريكا الإنجليزي) و”لوسي” (التي تجسد قيم إعلان الاستقلال لعام 1776) لم تكن مجرد خيط درامي، بل كانت إعلان براءة للقيم الأمريكية النبيلة من وحشية السياسات الاستعمارية. لقد كان فيلم Across the universe يصرخ بأن حرب فيتنام مثلت “خروجاً سافراً” على جوهر الحلم الأمريكي، وأن الانحياز للحق والجمال هو الامتداد الحقيقي لتاريخ تلك الأمة.
ولقد استوعب الفيلم أهوال الحرب بأسلوب “عضوي” سلس، ولم يقحمها كمادة صماء، بل كحالة شعورية تتغلغل في نسيجه البنيوي، وهو ما تطلب من المشاهد مستوى عالٍ من الارتقاء بذائقته القيمية، وهو للأسف ما افتقده الجمهور في ذلك الزمن المضطرب.
واليوم، وبعد مرور نحو عقدين من الزمن، يمكننا القول بثقة إن Across the Universe هو عمل سيماتوغرافي متفرد. ولو عُرض هذا الفيلم في ظل وعي مجتمعي مختلف، ومع لمسات تنقيح فنية طفيفة، لربما اعتُبر اليوم “أيقونة سينمائية” تنافس في قيمتها التوثيقية والجمالية أعظم الأعمال.
إن فشل الفيلم جماهيرياً في 2007 هو “شهادة صمود” له؛ فقد رفض أن يكون مادة استهلاكية تافهة، وأصر على أن يكون صوتاً ينتصر للحق، حتى وإن كان العالم وقتها يفضل الصمت. لقد أخطأ الجمهور في التقدير، بينما أصاب الفيلم في استشراف الألم البشري وتوثيق الصراع المتواصل بين من يدعو لاستعباد الشعوب ومن يدعو لإعلاء قيم الحق والعدل والانصاف.
وفي النهاية، يمكننا القول، وبكل ثقة أن فيلم Across the universe لم يكن فيلماً عن فريق البيتلز، بل كان فيلماً عن “التاريخ الأمريكي” في لحظتين فارقتين منه (فيتنام والعراق).

أضف تعليق