القردة والخنازير في القرآن… هل كانت العقوبة إدانةً للحيوان أم إدانةً للإنسان المتكبر؟

من بين أكثر الاعتراضات التي تُوجَّه إلى أي محاولة لإعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والحيوان ذلك الاعتراض الذي يستند إلى الآيات القرآنية التي تحدثت عن مسخ بعض العصاة قردة وخنازير. ويُقدَّم هذا الاعتراض عادةً بوصفه دليلاً قاطعًا على أن القرآن نفسه يقرر دون لبس أن الحيوان أدنى مرتبة من الإنسان، وأن تحويل الإنسان إلى حيوان لا يمكن أن يكون عقوبة إلا إذا كان الحيوان يمثل مرتبةً وجوديةً أحطّ وأدنى.
وللوهلة الأولى قد يبدو هذا الاستدلال مقنعًا، لكنه في الحقيقة يقوم على سلسلة طويلة من الافتراضات المسبقة التي تُفرض على النص قبل قراءته، أكثر مما تُستخرج منه. وهو لذلك يمثل مثالًا نموذجيًا على ما يمكن تسميته “التفسير المؤدلج”، أي ذلك التفسير الذي ينطلق من نتيجة جاهزة سلفًا ثم يبحث في النص عما يؤيدها، بدلاً من أن يترك النص نفسه يقود عملية الفهم.
إن المشكلة الأساسية في هذا الاستدلال تبدأ من افتراض لم ينص عليه القرآن أصلًا، وهو أن المفاضلة بين الإنسان والحيوان هي مفاضلة ممكنة من حيث المبدأ. فالمفاضلة لا تكون إلا بين أشياء تشترك في معيار واحد يسمح بالمقارنة بينها. فنحن نستطيع أن نفاضل بين إنسان وإنسان، أو بين حصان وحصان، أو بين عالَم وعالَم، لأن أطراف المقارنة تنتمي إلى الفئة نفسها وتشترك في موضوع المفاضلة. أما المفاضلة بين الإنسان والحيوان على نحو مطلق فهي تشبه المفاضلة بين البحر والجبل أو بين اللون والصوت. فلكل منهما خصائصه ووظيفته وطبيعته المختلفة.
ولهذا السبب لا نجد في القرآن آية واحدة تقول إن الإنسان “أفضل” من الحيوان بصيغة المفاضلة التي اعتاد العقل البشري إسقاطها على النص. بل إن القرآن يتعامل مع الكائنات الحية بوصفها أممًا مختلفة لها أنماط وجودها الخاصة، كما في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} (من الأنعام 38). واللافت هنا أن الآية لا تتحدث عن أمم “أدنى منكم” أو “أحط منكم”، بل عن أمم “أمثالكم”، أي أنها تؤكد وجود نوع من التناظر الوجودي العام بين مختلف أشكال الحياة.
ومن هنا يصبح من الضروري أن نسأل: هل كان الهدف من حادثة المسخ أن يقرر القرآن دونية الحيوان، أم أن الهدف كان شيئًا آخر تمامًا؟
إن القراءة المتأنية للنص توحي بأن الغاية الأساسية لم تكن الحديث عن الحيوان أصلًا، بل كان الحديث عن الإنسان حصراً. فالعقوبة لم تكن موجهة إلى القردة أو الخنازير، ولم يكن موضوعها تقييم القرد أو الخنزير، وإنما كانت موجهة إلى جماعة بشرية معينة امتلأت نفوسها بالكبرياء والتمرد والعناد.
والأهم من ذلك أن العقوبة جاءت في صورة رمزية شديدة العمق تخاطب البنية النفسية والثقافية للمخاطَبين أنفسهم. فهؤلاء كانوا يعيشون داخل منظومة ذهنية تعتبر بعض الحيوانات رمزًا للاحتقار والدونية. ولذلك جاءت العقوبة من جنس التصورات التي يحملونها هم أنفسهم، وليس من جنس حقيقة الحيوان في ذاته.
فالمسألة هنا تشبه إلى حد بعيد ما يحدث حين يُجبر المتكبر على مواجهة الصورة التي كان يحتقر بها الآخرين. فليست الإدانة موجهة إلى تلك الصورة، بل إلى غروره هو.
ولو كان المقصود من النص إدانة الحيوان لكان الحيوان هو موضوع الخطاب. لكن موضوع الخطاب هو الإنسان المتجبر الذي يرى نفسه أعلى من سائر المخلوقات، فجاءت العقوبة لتكشف له هشاشة هذه الصورة المتضخمة عن ذاته.
ومن اللافت أن هذا النمط من التعليم الرمزي يتكرر في القرآن في مواضع أخرى. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قصة فرعون. فالله تعالى يقول: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} (من ٩٢ يونس). ولم يكن الهدف من إخراج جثة فرعون من البحر تكريم الجثة أو إهانتها، بل تقديم درس بصري مباشر للناس. فالرجل الذي ادعى الألوهية وانخدع بسلطانه وقوته يُعرض أمام الجميع جثة هامدة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا.
وبالطريقة نفسها يمكن فهم حادثة المسخ. فالغاية ليست إصدار حكم ميتافيزيقي على القرد أو الخنزير، وإنما تحويل أوهام الإنسان نفسه إلى مشهد مرئي يواجهه مباشرة. فهؤلاء الذين كانوا يعتقدون أنهم يملكون امتيازًا أخلاقيًا أو وجوديًا مطلقًا وجدوا أنفسهم أمام الصورة ذاتها التي كانوا يستخدمونها للاحتقار والإقصاء.
بل أن المفارقة الأكثر إثارة للتأمل تتمثل في أن القرآن، حين يتحدث عن انحراف الإنسان، فإنه لا يربطه عادةً بالحيوان، بل يجعله في كثير من المواضع أشد ضلالًا منه. ففي قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} (من ١٧٩ الأعراف). فالأنعام هنا ليست هي من  يُدان، بل يُدان الإنسان الذي امتلك من القدرات ما يؤهله للهداية ثم عطّلها بإرادته. فالأنعام لم تُخلق أصلًا ليكون منهم فلاسفة أو أنبياء أو علماء أخلاق، ولذلك لا تُلام على ما لم تُخلق له. أما الإنسان فيُلام لأنه فرّط فيما أُتيح له.
ومن هنا يتبين أن الاستدلال بقصة المسخ لإثبات أن الحيوان أدنى مرتبة من الإنسان ليس استدلالًا مستمدًا من النص نفسه بقدر ما هو انعكاس لصورة ثقافية مسبقة يحملها الإنسان عن ذاته وعن سائر الكائنات. إنها الصورة ذاتها التي دفعت البشر عبر التاريخ إلى استخدام أسماء الحيوانات بوصفها شتائم، وإلى إسقاط كل ما يكرهونه في أنفسهم على عالم الحيوان.
أما القرآن، حين يُقرأ بعيدًا عن هذه الخلفيات المؤدلجة، فإنه لا يبدو منشغلًا بإقامة سلمٍ هرمي تتربع البشرية على قمته، بقدر انشغاله بكشف حدود الإنسان وتذكيره الدائم بهشاشته وإمكان سقوطه وانخداعه بنفسه.
ولهذا فإن قصة المسخ لا تصلح دليلاً على دونية الحيوان، بل هي، وعلى العكس من ذلك، درسٌ قرآني عميق في نقد الغرور الإنساني نفسه. فالذين مُسخوا لم يُعاقَبوا لأن الحيوان شرير أو وضيع، وإنما لأنهم عجزوا عن رؤية الحقيقة وراء الصورة التي صنعوها لأنفسهم ولغيرهم. وحين تتحول الصورة إلى صنم معرفي، يصبح تحطيمها جزءًا من عملية الهداية ذاتها.

أضف تعليق