
من بين أكثر الأسئلة إثارة في دراسة الإنسان ذلك السؤال المتعلق بالثمن الذي دفعه هذا الكائن لقاء تفوقه الظاهري على سائر الكائنات الحية. فليس ثمة شك في أن الإنسان استطاع أن يحقق ما لم يحققه أي نوع آخر من الكائنات البايولوجية؛ فقد شيّد المدن، وابتكر العلوم، وأنتج الفنون، وبنى الحضارات، وأعاد تشكيل سطح الكوكب نفسه بما يخدم حاجاته ورغباته. لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بالقدر نفسه من الجدية هو: ماذا خسر الإنسان في المقابل؟
لقد اعتادت السرديات التقليدية النظر إلى التاريخ الإنساني بوصفه قصة نجاح متواصلة. فكل تقدم تقني يُعد مكسبًا، وكل اكتشاف علمي خطوة إلى الأمام، وكل توسع حضاري دليلًا على تفوق النوع البشري. غير أن هذه النظرة تخفي مفارقة عميقة يصعب تجاهلها. فالكائن الذي أصبح أكثر قدرة على السيطرة على العالم أصبح أيضًا أكثر الكائنات قلقًا واضطرابًا ومعاناة.
فلا يوجد في الطبيعة كائن يخاف المستقبل كما يخافه الإنسان، ولا يوجد كائن يندم على الماضي كما يندم الإنسان، ولا يوجد كائن يعيش في صراع دائم مع ذاته كما يفعل الإنسان.
إن هذه المفارقة تصبح أكثر قابلية للفهم إذا نظرنا إليها من زاوية فائض التمثّل. ففي المقالات السابقة قُدِّم اقتراح مفاده أن الانعطافة التطورية الأولى لم تكن مجرد زيادة في الذكاء أو التعقيد العصبي، بل كانت عبارة عن إطلاق آلية جديدة في الإدراك الإنساني تتمثل في القدرة غير المحدودة على إنتاج التمثلات وإعادة إنتاجها. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يعيش داخل الواقع المباشر وحده، بل أصبح يعيش داخل عالم موازٍ من الصور والمعاني والاحتمالات والرموز. وهنا تحديدًا بدأت رحلة الخروج من الطبيعة. فالحيوان يعيش في الحاضر إلى حد بعيد؛ حيث أنه يتفاعل مع البيئة كما هي، ويتعامل مع الأخطار والفرص في صورتها المباشرة. أما الإنسان فقد أصبح يعيش في عالم آخر لا يقل حضورًا عن العالم الخارجي نفسه؛ وهو عالم من الذكريات والتوقعات والآمال والمخاوف والأفكار المجردة. لقد غادر الإنسان الطبيعة حين أصبح أسيرًا لتمثلاته. وهذا الخروج هو الذي صنع الحضارة. فاللغة هي ليست سوى نظام من الرموز، والعلم هو تمثل منظِّم للواقع، والفن هو إعادة تشكيل جمالية للعالم، والقانون هو تمثل مجرد لفكرة العدالة، والدولة هي تمثل لفكرة السلطة، والاقتصاد هو تمثل للقيمة. فجميع المؤسسات التي يقوم عليها الوجود الإنساني هي ليست أشياء مادية في المقام الأول، بل تمثلات مشتركة يتفق الناس على التعامل معها كما لو أنها كانت حقائق قائمة بذاتها. ولولا فائض التمثّل لما أمكن لأي من هذه الظواهر أن يوجد أصلًا.
لكن الوجه الآخر للقصة لا يقل دلالة. فالقوة نفسها التي أنتجت الحضارة أنتجت الاغتراب أيضاً. فالإنسان لا يعاني فقط من الواقع، بل من تفسيره للواقع. ولا يتألم فقط بسبب ما حدث، بل بسبب ما يتخيل أنه حدث أو قد يحدث أو كان ينبغي أن يحدث. فالإنسان يعيش في شبكة معقدة من التمثلات التي كثيرًا ما تصبح أقوى من العالم الخارجي نفسه. ولهذا السبب يستطيع الإنسان أن يكون تعيسًا وهو محاط بالنعم، وأن يكون سعيدًا وسط ظروف قاسية. فالذي يحدد تجربته هو ليس الواقع وحده، بل الصورة التي يحملها عن الواقع.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة الاغتراب الإنساني بوصفها نتيجة مباشرة للانعطافة التطورية الأولى. فالإنسان يشعر بالغربة لأنه لم يعد مندمجًا بالكامل في العالم الطبيعي كما كانت حال أسلافه البيولوجيين؛ حيث أصبح ينظر إلى نفسه من الخارج، ويراقب أفعاله، ويقيّمها، ويشكك فيها، ويتساءل عن معناها. لقد أصبح، لأول مرة في تاريخ الحياة، موضوعًا لوعيه الخاص. وهذه القدرة، رغم عظمتها، تحمل معها عبئًا هائلًا.
فالحيوان لا يقلقه معنى وجوده، ولا يشغله مصيره بعد الموت، ولا يقضي سنوات في البحث عن هويته الحقيقية. أما الإنسان فيعيش محاصرًا بهذه الأسئلة لأن فائض التمثّل جعله قادرًا على تجاوز الحاضر المباشر نحو فضاءات لا نهائية من الاحتمالات.
ومن المثير للاهتمام أن معظم ما نسميه مشكلات إنسانية كبرى يمكن ربطه بهذه الحقيقة. فالحسد تمثّل. والطمع تمثّل. والخوف تمثّل. والغرور تمثّل. والكراهية تمثّل. وحتى الأيديولوجيات التي قسمت البشر إلى أمم وأعراق ومذاهب ليست سوى تمثلات جماعية اكتسبت قوة الواقع. فالإنسان هو الكائن الوحيد القادر على قتل إنسان آخر دفاعًا عن فكرة. وهذه الحقيقة وحدها تكشف إلى أي مدى أصبح العالم التمثلي جزءًا من بنيته الوجودية.
لكن الوجه المشرق لا يقل وضوحًا. فلولا فائض التمثّل لما وُجد الحب بوصفه أكثر من انجذاب بيولوجي. ولما وُجد الشعر. ولما وُجدت الموسيقى. ولما وُجدت الفلسفة. ولما استطاع الإنسان أن يتخيل مستقبلًا أفضل أو أن يسعى إلى تحقيق العدالة أو أن يضحي بنفسه من أجل مبدأ. فأجمل ما في الإنسان وأبشع ما فيه ينبع من المصدر نفسه.
ومن هنا يمكن القول إن الحضارة والاغتراب هما ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل وجهان لنتيجة واحدة. فكلما ازداد الإنسان قدرة على تمثل العالم ازداد قدرة على إعادة تشكيله، لكنه ازداد في الوقت نفسه ابتعادًا عن بساطة الوجود الطبيعي.
ولعل هذا هو ما يجعل الظاهرة الإنسانية فريدة إلى هذا الحد. فالإنسان ليس مجرد حيوان أكثر ذكاءً من غيره، بل كائن خرج من الطبيعة من دون أن يستطيع مغادرتها بالكامل. فهو يعيش بجسده داخل العالم الطبيعي، لكنه يعيش بعقله داخل عالم آخر من الرموز والمعاني والاحتمالات. وهكذا أصبح الإنسان، منذ الانعطافة التطورية الأولى، مخلوقًا ذا موطنين: موطن بيولوجي ينتمي إلى الطبيعة، وموطن تمثلي ينتمي إلى عالم صنعه بنفسه. ومنذ ذلك اليوم لم يتوقف عن التأرجح بين هذين العالمين. وربما كان تاريخ الحضارة كله، في جوهره العميق، ليس سوى تاريخ هذا التأرجح الطويل بين ما نحن عليه بيولوجيًا وميتابيولوجياً، وما جعلنا فائض التمثّل نعتقد أننا عليه.
