فائض التمثّل وسوء الاختيار… لماذا يعجز الإنسان عن رؤية تناقضاته؟

من بين أكثر المفارقات إثارةً للتأمل في الظاهرة الإنسانية تلك المفارقة التي تجعل الإنسان، على الرغم من كل ما يمتلكه من قدرات عقلية ومعرفية، واحدًا من أكثر الكائنات قابليةً لاختيار ما يضره والإعراض عما ينفعه. فبينما يُفترض أن تؤدي الزيادة الهائلة في القدرات الإدراكية إلى تحسين عملية الاختيار وترشيد السلوك، تكشف التجربة الإنسانية اليومية عن نتيجة معاكسة في كثير من الأحيان. فالإنسان يدرك أضرار التدخين ثم يدخن، ويعرف مخاطر الحروب ثم يشعلها، ويعي نتائج الكراهية ثم يغذيها، ويعرف أن القلق يستهلك حياته ثم يصر على اجترار مخاوفه بلا نهاية.
وللوهلة الأولى قد يبدو هذا التناقض مجرد ضعف أخلاقي أو قصور في الإرادة. غير أن التأمل الأعمق يوحي بأن المسألة قد تكون أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فربما كان هذا العجز عن الاختيار السليم نفسه أحد الآثار الجانبية الكبرى للانعطافة التطورية الأولى التي أطلقت ما يمكن تسميته بـ”فائض التمثّل”.
فالحيوان، وفق هذا التصور، لا يعيش داخل عالم من التصورات والرموز والأوهام والتوقعات والسيناريوهات المتخيلة. فهو يتعامل مع الواقع المباشر كما هو. فحين يجوع يبحث عن الطعام. وحين يشبع يتوقف. وحين يشعر بالخطر يبتعد عنه. وحين تزول أسباب التهديد يعود إلى حالة السكون. ولهذا السبب فإننا نادرًا ما نجد الحيوان يخوض حربًا من أجل فكرة، أو يدمر بيئته من أجل وهم، أو يضحي بحياته دفاعًا عن صورة متخيلة صنعها عن نفسه.
أما الإنسان فقد أصبح، منذ تلك الانعطافة المفترضة، يعيش داخل طبقة إضافية من الوجود. فهو لا يتعامل مع الأشياء فحسب، بل مع تمثلاته للأشياء. ولا يستجيب للواقع مباشرة، بل لما يعتقد أنه الواقع. وهنا تبدأ المشكلة. فحين تتضخم التمثلات يصبح الإنسان قادرًا على تفضيل الرمز على الحقيقة، والوهم على الواقع، والصورة الذهنية على التجربة المباشرة. وقد يصل الأمر إلى حد أن يضحي بصحته من أجل مكانة اجتماعية، أو بأمنه من أجل فكرة سياسية، أو بسعادته من أجل تصور مثالي عن ذاته؛ وهو تصور لا وجود له خارج مخيلته. ومن هنا تنشأ واحدة من أغرب خصائص الإنسان: قدرته على الدفاع بحماسة عن الأشياء التي تؤذيه، ومعاداة الأشياء التي قد تنفعه. فالمدمن لا يبرر إدمانه فحسب، بل قد يهاجم من يحاول مساعدته. والمتعصب لا يكتفي بالتمسك بفكرته، بل يحولها إلى جزء من هويته بحيث يشعر أن التخلي عنها يساوي فقدان ذاته. والإنسان القلق لا يكتفي بالمعاناة من قلقه، بل يتمسك أحيانًا بالأفكار التي تُوَلِّده وتغذيه. وكأن العقل أصبح أسيرًا للتمثلات التي صنعها بنفسه. والأغرب من ذلك أن الإنسان كثيرًا ما يعجز عن إدراك التناقضات الكامنة في أحكامه القيمية. فهو قد يمجد الحرية لنفسه ويمنعها عن غيره. ويطالب بالعدالة حين يكون مظلومًا ثم يتجاهلها حين يصبح قويًا. ويدين التعصب عند خصومه بينما يمارسه تجاه مخالفيه، بل إن الإنسان قد يحمل في الوقت نفسه فكرتين متناقضتين دون أن يشعر بالتناقض بينهما أصلًا.
ولعل السبب في ذلك أن فائض التمثّل لا يضيف إلى الإنسان القدرة على التفكير فحسب، بل يضيف أيضًا القدرة على تبرير أخطائه وإخفاء تناقضاته عن نفسه. فالإنسان ليس الكائن الذي يكذب على الآخرين فقط، بل هو الكائن الوحيد القادر على الكذب على نفسه ثم تصديق ما كذب به.
ومن هنا نفهم لماذا لم يؤدِّ التقدم المعرفي بالضرورة إلى تقدم مماثل في الحكمة. فالإنسان المعاصر يمتلك معرفة علمية تفوق ما امتلكته جميع الحضارات السابقة مجتمعة، ومع ذلك ما زال يعاني من الحروب والكراهية والاضطرابات النفسية والاستقطابات الإيديولوجية ذاتها. فزيادة المعرفة إذاً لا تعني بالضرورة تحسين الاختيار إذا كانت الآلية التي تختار نفسها تعاني من التشويش.
ولعل هذا ما يجعل الحيوان، على بساطة عالمه الإدراكي، أكثر اتساقًا مع مصالحه المباشرة من الإنسان. فهو لا يحتاج إلى فلسفة كي يعرف متى يأكل، ولا إلى أيديولوجيا كي يعرف متى يهرب من الخطر، ولا إلى نظريات معقدة كي يحافظ على توازنه مع بيئته. أما الإنسان فقد أصبح، بسبب فائض التمثّل، قادرًا على تحويل أبسط القرارات إلى متاهات لا تنتهي من التصورات والرغبات والهويات والصراعات الرمزية.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى جزء كبير من التاريخ الإنساني بوصفه تاريخًا قائماً على أساس من إساءة الاختيار. فالحضارات كثيرًا ما سقطت لأنها فضلت الأوهام على الوقائع، والجماعات كثيرًا ما هلكت لأنها تمسكت بصور ذهنية لم تعد تنسجم مع العالم، والأفراد كثيرًا ما دمروا حياتهم دفاعًا عن أشياء لم تكن تستحق الدفاع أصلًا.
إن المأساة الكبرى للإنسان لا تتمثل في جهله فقط، بل في قدرته الفريدة على أن يضل الطريق وهو يعتقد أنه يسير في الاتجاه الصحيح. وهذه القدرة قد تكون واحدة من أكثر النتائج عمقًا وخطورة للانعطافة التطورية الأولى التي أطلقت فائض التمثّل إلى العالم. فمنذ تلك اللحظة لم يعد التحدي الأكبر هو معرفة الحقيقة فحسب، بل القدرة على التمييز بين الحقيقة والتمثلات التي تحجبها.

أضف تعليق