فائض التعليق… حين يعجز الإنسان عن الصمت

من بين أكثر الظواهر اليومية شيوعًا وأقلها إثارةً للانتباه تلك الظاهرة التي يمكن تسميتها بـ”فائض التعليق”. فحيثما وجد الإنسان وجد التعليق. وحيثما وقع حدث، صغيرًا كان أم كبيرًا، وجد من يشعر بضرورة إبداء رأيه فيه. بل إن الإنسان يكاد يعجز عن المرور بأي مشهد أو فكرة أو خبر أو سلوك دون أن يضيف إليه تعليقًا أو ملاحظة أو حكمًا أو تفسيرًا أو اعتراضًا أو سخريةً أو تأييدًا. وكأن مجرد حدوث الشيء لم يعد كافيًا، بل لا بد أن يُضاف إليه شيء آخر هو التعليق عليه.
وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد سلوك اجتماعي طبيعي. غير أن التأمل فيه يكشف عن ظاهرة أعمق بكثير. فالتعليق في كثير من الأحيان لا يضيف معرفة جديدة، ولا يحل مشكلة قائمة، ولا يغير واقعًا راهناً، ولا ينتج منفعة ملموسة. بل إن أغلب التعليقات التي يطلقها البشر يوميًا تندرج ضمن فئة “الضوضاء المعرفية” التي لا تترك أثرًا سوى استهلاك الوقت والطاقة والانتباه.
ولو تأملنا الأمر من منظور اقتصاد الطبيعة لوجدنا أن هذه الظاهرة تكاد تمثل نقيضًا كاملًا لما تقوم عليه الطبيعة ذاتها. فالطبيعة لا تعرف الإسراف. فهي منظومة تقوم على ترشيد الموارد إلى أقصى حد ممكن. فلا توجد خلية تستهلك طاقة لا تحتاج إليها، ولا كائن حي يبذل جهدًا دون غاية، ولا نظام بيولوجي ينفق موارده عبثًا. فاقتصاد الطبيعة يقوم على مبدأ بسيط للغاية: لا إنفاق بلا ضرورة.
أما الإنسان فهو الكائن البيولوجي الوحيد الذي يستطيع أن يستهلك ساعات طويلة من عمره وكمية هائلة من طاقته الذهنية والعاطفية في إنتاج كلمات لا تغير شيئًا في العالم. فهو يعلّق على السياسيين، ويعلّق على الفنانين، ويعلّق على الجيران، ويعلّق على أقاربه، ويعلّق على الغرباء، ويعلّق على مباريات كرة القدم، ويعلّق على الطقس، ويعلّق على تعليقات الآخرين أنفسهم. حتى ليبدو وكأن التعليق تحول إلى غاية قائمة بذاتها، منفصلة عن أي فائدة عملية أو معرفية.
ومن هنا يمكن النظر إلى فائض التعليق بوصفه أحد التجليات الواضحة لفائض التمثّل. فحين امتلأ العقل البشري بالصور والافتراضات والتوقعات والهواجس والتأويلات، لم يعد قادرًا على الاكتفاء بمشاهدة العالم كما هو. فلقد أصبح يشعر بحاجة دائمة إلى إضافة طبقة جديدة من التفسير والتقييم والتعليق على كل شيء يراه. وكأن الواقع لم يعد كافيًا بذاته، بل لا بد من إعادة إنتاجه لفظيًا مرة بعد أخرى.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي تمثل المختبر الأعظم الذي كشف هذه الحقيقة على نحو غير مسبوق. فما كانت الطبيعة تسمح بظهوره إلا في نطاق محدود للغاية، أصبح اليوم يتدفق بلا حدود. لقد وفرت هذه المنصات للإنسان الفرصة الذهبية التي انتظرها طويلًا والمتمثلة في إمكانية التعليق المستمر على كل شيء وفي كل وقت ومن أي مكان.
ففي الماضي كانت قدرة الإنسان على تبديد وقته في التعليق محدودة بقيود المكان والزمان وعدد الأشخاص الذين يستطيع الوصول إليهم. أما اليوم فقد أزيلت هذه القيود كلها. وأصبح بإمكان الفرد أن يقضي ساعات طويلة يوميًا يتنقل من منشور إلى آخر، ومن خبر إلى آخر، ومن مقطع فيديو إلى آخر، مضيفًا تعليقًا هنا وتعليقًا هناك، ثم يعود بعد دقائق ليرد على الردود، ثم يرد على الردود على الردود، في سلسلة قد لا تنتهي أبدًا.
ومن المثير للاهتمام أن كثيرًا من هذه التعليقات لا ترتبط أصلًا بموضوع المنشور أو الخبر. فالتعليق يتحول في أحيان كثيرة إلى مجرد وسيلة لإعلان الوجود. وكأن الرسالة الضمنية التي يريد صاحب التعليق إيصالها هي ليست ما يريد أن يقوله، بل حقيقة أنه قال شيئًا فحسب. فالغاية تصبح الحضور لا المحتوى، والظهور لا الفائدة، والتعبير لا المعرفة.
وهكذا يتحول التعليق من أداة للتواصل إلى آلية لاستهلاك العمر. فبدل أن تُستثمر الساعات في التعلم أو الإنتاج أو التأمل أو الإبداع، تُهدر في إنتاج سيل لا ينتهي من الكلمات العابرة التي سرعان ما تُنسى كما لو أنها لم تكن.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى فائض التعليق بوصفه أحد الأعراض الجانبية الكبرى للانعطافة الإدراكية التي أنتجت فائض التمثّل. فالكائن الطبيعي يراقب العالم ويتفاعل معه بقدر الحاجة. أما الإنسان فقد أصبح في كثير من الأحيان عاجزًا عن الصمت. إنه يشعر بحاجة مستمرة إلى تحويل كل شيء إلى موضوع للكلام، وكل حدث إلى مناسبة لإبداء الرأي، وكل حركة إلى فرصة للتعليق.
ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن الصمت، الذي كان ينبغي أن يكون الحالة الافتراضية للعقل الواثق من نفسه، أصبح بالنسبة لكثير من البشر حالة يصعب احتمالها. فالصمت لا يستهلك شيئًا، أما التعليق فيستهلك الوقت والطاقة والانتباه. ومع ذلك يختار الإنسان التعليق في أغلب الأحيان، وكأنه يسعى بصورة لا واعية إلى تبديد موارده المعرفية والعاطفية بأقصى سرعة ممكنة.
ومن هنا فإن فائض التعليق لا يمثل مجرد عادة اجتماعية مزعجة أو سلوكًا تواصليًا عابرًا، بل يكشف عن خلل أعمق في علاقة الإنسان بموارده وبالواقع نفسه. إنه شاهد آخر على ذلك الكائن الذي ابتعد كثيرًا عن اقتصاد الطبيعة، حتى أصبح ينفق أغلى ما يملك، عمره ووعيه وانتباهه، في إنتاج تعليقات لا تنتهي على عالم كان يكفي أحيانًا أن يراه، ثم يمضي صامتًا.

أضف تعليق