
في عالمٍ تحكمه معايير الربح والسيولة، يظل فيلم The Last Samurai (2003) (الساموراي الأخير) وثيقة سينماتوغرافية استثنائية، ليس لما قدمه من إبهار بصري وتقني فحسب، ولكن لأنه طرح سؤالاً وجودياً كبيراً: هل يمكن للإنسان أن يرمم تضرر ذائقته القيمية بعد أن كان جزءاً من آلة الدمار؟
لقد نجح الفيلم في تجاوز كونه مجرد قصة تاريخية؛ فقد كان “تجسيداً للحرفية السينماتوغرافية” في أسمى صورها. فإتقان المشاهد، من طقوس الشاي الهادئة إلى صخب المعركة الأخيرة، لم يكن ترفاً إخراجياً، بل كان لغةً بصرية تحكي قصة التناغم بين الروح والمادة. فالساموراي في الفيلم لم يكونوا مجرد محاربين، بل كانوا حملة “عقيدة”؛ وهي عقيدة ترى في الجمال زوالاً وفي الموت شرفاً، وهو ما جعل الفيلم مرآة عكست نبل “القيم القديمة” في مواجهة حداثةٍ متوحشة لا تعترف إلا بالأرقام والمصالح. فبطل الفيلم “نايثان ألجرين” (توم كروز) يأتي ليجسد صدمة الإنسان الحديث. فلقد كان جندياً في سلاح الخيالة الأمريكي، وشارك في إبادة قبائل من سكان امريكا الأصليين تمسكت بأرض الأجداد؛ تلك اللحظة التي شهدت تضرر “ذائقته القيمية” حينما تحول من “إنسان” إلى “ترس” في آلة عسكرية لا ترحم.
ولم يكن انضمامه للساموراي مجرد صدفة أو هروباً، بل كان “رحلة بحث عن الخلاص”. لقد وجد في الساموراي ما افتقده في جيشه: الحكمة، والالتزام الأخلاقي، واحترام الخصم. لقد كان الساموراي بالنسبة له “الدواء” الذي عالج جروح روحه التي تسببت بها بشاعة أفعاله السابقة؛ حيث أنه أدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في الإبادة، بل في القدرة على الموت من أجل مبدأ ينتصر للحق بأي صورة تجلى، وهو ما جعله يتماهى مع الساموراي حتى صار جزءاً لا يتجزأ من نسيجهم القيمي.
إن أروع ما في هذه الرحلة هو إثبات أن عقيدة الساموراي هي ليست إرثاً عرقياً محصوراً في اليابان. وهذا يذكرنا بقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: “الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها”.
لقد وجد ألجرين، الكابتن الأمريكي المنشق، ضالته في فلسفة الساموراي، وتبنى بوصلتهم الأخلاقية ليتطهر بها من أوزار ماضيه. وعندما قضى معهم في “المواجهة الأخيرة”، لم يكن يندحر، بل كان يعلن انحيازه النهائي للحق الذي استعاده في لحظاته الأخيرة؛ حيث تحول من جندي يطيع الأوامر طاعة العمياء في إبادة الأبرياء، إلى محارب يختار الموت دفاعاً عن الروح والكرامة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن فيلم الساموراي الأخير The Last Samurai ليس مجرد فيلم عن الساموراي، بل هو مرثية لزمن المبادئ، وصرخة في وجه عالم ينساق وراء المصالح المادية. لقد أثبت الفيلم أن الإنسان قادر، مهما بلغت خيباته وانكساراته، على أن يستعيد “ذائقته القيمية” إذا ما وجد العقيدة التي تستحق أن يعيش ويَموت من أجلها.
