من البركان إلى الشجرة… في الدفاع عن الأحداث الفجائية في تفسير أصل الإنسان

من بين أكثر العوائق التي تواجه أي محاولة لإعادة التفكير في أصل الإنسان ذلك الميل العميق إلى افتراض أن كل ظاهرة عظيمة لابد أن تكون قد نشأت بصورة تدريجية. فكلما كان الحدث كبيرًا ازداد اقتناعنا بأنه لا يمكن أن يكون قد وقع إلا عبر سلسلة طويلة من التراكمات البطيئة، حتى أصبح التدرج، في أذهان كثيرين، ليس مجرد فرضية علمية، بل هو أشبه بعقيدة معرفية غير معلنة.
غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه منذ البداية هو: هل التدرج قانون كوني مطلق فعلًا؟ حيث أن التأمل في العالم من حولنا يوحي بعكس ذلك؛ فالبراكين، على سبيل المثال، قد تقضي سنوات طويلة في حالة من السكون الظاهري، ثم تثور في لحظة واحدة، والانهيارات الجليدية تتطلب تراكم الثلوج عبر زمن طويل، لكن لحظة الانهيار نفسها تكون فجائية، والأسواق المالية قد تبدو مستقرة لسنوات قبل أن تنهار خلال أيام. وحتى في أجسادنا قد تتراكم تغيرات خفية لعقود قبل أن تظهر نتائجها فجأة في صورة مرض أو انهيار وظيفي أو انتقال حاد من حالة إلى أخرى. فلقد اعتدنا النظر إلى الحدث الفجائي بوصفه استثناءً، بينما قد يكون في الحقيقة أحد أنماط اشتغال الطبيعة الأساسية.
إن ما يحدث في كثير من الأحيان ليس غياب التراكم، بل غياب ظهور آثاره. فالنظام يستمر في استقبال التغيرات الصغيرة دون أن يكشف عنها مباشرة، إلى أن يبلغ نقطة حرجة معينة، وعندها يحدث التحول دفعة واحدة. وهذا ما يجعل البركان مثالًا ذا دلالة بالغة. فالبركان لا يبدأ لحظة ثورته، بل قبل ذلك بوقت طويل. غير أن السنوات السابقة للثوران لا تفسر وحدها المشهد الذي يراه الناس حين تنفجر الحمم فجأة من جوف الأرض، فثمة فرق جوهري بين التراكم وبين لحظة الانفجار.
ولعل أحد أكبر الأخطاء المعرفية التي يقع فيها العقل البشري هو خلط هذين الأمرين. فوجود مقدمات طويلة لا يعني أن النتيجة نفسها كانت تدريجية. وما يصح على البراكين قد يصح على كثير من الظواهر الأخرى، بما فيها الظاهرة الإنسانية. فلقد اعتدنا أن ننظر إلى الإنسان بوصفه نتيجة سلسلة طويلة من التحولات التطورية، وهذا صحيح إلى حد بعيد. لكن ما لا يترتب على ذلك بالضرورة هو أن ظهور خصائصه الفريدة كان تدريجيًا بالمعنى نفسه. فربما كان تاريخ الحياة قد أمضى ملايين السنين في إعداد الشروط اللازمة لظهور الإنسان، لكن هذا لا يمنع أن اللحظة الحاسمة التي أطلقت الانعطافة الإنسانية الأولى كانت لحظة فجائية. إن الفرق بين هذين التصورين بالغ الدلالة، فالأول يرى أن الإنسان ظهر عبر تدرج مستمر لا يمكن تحديد نقطة فاصلة فيه، أما الثاني فيفترض أن التراكم الطويل أوصل النظام إلى حافة حرجة، ثم وقع حدث محدد أدى إلى انتقاله إلى حالة جديدة نوعيًا.
وهنا تكتسب السردية القرآنية المتعلقة بالشجرة دلالة خاصة. فما يلفت الانتباه في هذه السردية ليس فقط أنها تربط التحول الإنساني بفعل واحد، بل أنها تقدم هذا الفعل بوصفه نقطة انعطاف فاصلة بين حالتين مختلفتين من الوجود. فقبل أكل آدم من الشجرة شيء، وبعد الأكل شيء آخر. فقبل الأكل كان هناك نمط معين من العلاقة بالعالم، وبعدها أصبح هناك نمط مختلف تمامًا.
ومن اللافت أن هذا التصور ينسجم مع ما نعرفه اليوم عن كثير من التحولات الحرجة في الأنظمة المعقدة. فالماء لا يتحول إلى بخار تدريجيًا. فهو يبقى ماءً حتى يبلغ نقطة معينة، ثم يحدث الانتقال. والمغناطيسية لا تظهر بالتدريج البطيء نفسه الذي تتراكم به التغيرات المجهرية داخل المادة، بل يظهر النظام فجأة في صورة جديدة عندما يتجاوز عتبة محددة؛ بل أن بعض أبحاث الشيخوخة الحديثة بدأت تشير إلى أن التقدم في العمر لا يحدث دائمًا بوصفه انحدارًا سلسًا ومتواصلاً، وإنما عبر قفزات وتحولات مفاجئة تفصل بين مراحل مختلفة من الحياة البيولوجية. فإذا كانت الطبيعة مليئة بهذه الأمثلة، فلماذا نستبعد إمكانية أن يكون ظهور الإنسان نفسه قد انطوى على لحظة مشابهة؟
إن الاعتراض الحقيقي لا يقوم على دليل مضاد، بل على اعتياد ذهني يجعلنا أكثر ارتياحًا لفكرة التدرج من فكرة الفجائية.
والحال أن تاريخ العلم مليء بحالات اضطر فيها الباحثون إلى التخلي عن تصورات بدت بديهية لأن الوقائع كانت تشير إلى شيء آخر. فالأرض لم تكن مركز الكون رغم أن ذلك بدا واضحًا لآلاف السنين، والأنواع لم تكن ثابتة رغم أن ثباتها بدا بديهيًا، والزمان والمكان لم يكونا مطلقين رغم أن العقل البشري تعامل معهما كذلك طويلًا.
وليس ثمة ما يمنع أن يكون الاعتقاد المطلق بالتدرج واحدًا من هذه المسلمات التي تستحق إعادة النظر. إن الدفاع عن الأحداث الفجائية لا يعني إنكار التراكم، بل يعني رفض اختزال التاريخ كله إلى التراكم وحده. فالبركان يحتاج إلى سنوات من الإعداد، لكنه يثور في لحظة، والسد يحتاج إلى زمن طويل من الضغط، لكنه ينهار في لحظة، والنجمة قد تستغرق ملايين السنين في تطورها، لكنها تنفجر في لحظة. وربما كان الإنسان نفسه نتاجًا للمبدأ ذاته.
فربما احتاجت الحياة إلى ملايين السنين كي تهيئ الظروف اللازمة، لكن ذلك لا يستبعد أن تكون الانعطافة الحاسمة قد حدثت في نقطة محددة، بفعل محدد، وبكيفية أقرب إلى الانفجار منها إلى التدرج، وعندئذ تصبح الشجرة أكثر من مجرد عنصر رمزي في قصة قديمة. فتتحول إلى تمثل لذاكرة بعيدة احتفظت بصورة حدث لم يكن عاديًا؛ وهو حدث غيّر مسار نوع كامل من الكائنات الحية، وأطلق ما عرفناه في هذه السلسلة من المقالات ب “فائض التمثّل”. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان يعيش داخل العالم فقط، بل أصبح يعيش داخل تمثلاته للعالم.
وهكذا فقد لا يكون السؤال الأهم هو: كم استغرقت رحلة التحول؟ بل: ما الذي حدث في اللحظة التي انتهت فيها؟ ففي بعض الأحيان لا يكمن السر في سنوات التراكم الطويلة، بل في الشرارة التي أشعلتها في النهاية.

أضف تعليق