نحو مقاربة تفسيرية جديدة لأكل آدم من الشجرة



من بين أكثر القصص تأثيرًا في الوعي الديني والإنساني عمومًا قصة آدم والشجرة. فهي لا تحتل مكانة محورية في القرآن الكريم فحسب، بل تشكل أيضًا إحدى الركائز الكبرى التي بُنيت عليها تصورات دينية وفلسفية متعددة حول أصل الإنسان وموقعه في العالم. فلقد اعتاد معظم المفسرين، قديمًا وحديثًا، النظر إلى هذه القصة من منظور أخلاقي بالدرجة الأولى. فالمحور الرئيس للسردية، وفق هذا الفهم، هو الطاعة والعصيان، والامتثال والمخالفة، وما ترتب على ذلك من انتقال الإنسان من حالة إلى أخرى. ولا شك أن هذا البعد الأخلاقي حاضر في النص حضورًا واضحًا. غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: هل هذا هو البعد الوحيد الذي تنطوي عليه القصة؟ فالاقتصار على القراءة الأخلاقية قد يحجب أبعادًا أخرى لا تقل عنها تأثيراً ودلالة. فالنصوص الكبرى كثيرًا ما تحمل طبقات متعددة من المعنى، وتظل قابلة لإعادة القراءة كلما تطورت أدوات الفهم وتغيرت الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه.
ومن هنا يمكن النظر إلى قصة الشجرة من زاوية مختلفة؛ وهي زاوية لا تنكر بعدها الأخلاقي، لكنها تتجاوزه إلى بعد أنثروبولوجي وإدراكي أوسع. فما الذي حدث فعلًا بعد الأكل من الشجرة؟
إن أول ما يلفت الانتباه في السردية القرآنية هو أن التحول الذي وقع لم يكن تحولًا جسديًا ظاهرًا بقدر ما كان تحولًا إدراكيًا. فالآيات لا تتحدث عن نمو عضو جديد، ولا عن تغير تشريحي مباشر، بل تشير إلى تغير في طريقة إدراك الإنسان لذاته ولحالته. فبصورة مفاجأة انكشفت لهما أمور لم تكن حاضرة في وعيهما بالصورة نفسها من قبل. وفجأة أصبحا ينظران إلى نفسيهما وإلى وضعيتهما بطريقة مختلفة. فما حدث يبدو، في جوهره، أقرب إلى تحول في الإدراك منه إلى تحول في الجسد. وهنا تبرز إمكانية قراءة السردية القرآنية بوصفها وصفًا رمزيًا للحظة انعطاف معرفية كبرى. فربما لم يكن الحدث المؤسس للإنسانية مجرد مخالفة أمر إلهي، بل كان في الوقت نفسه انتقالًا من نمط إدراكي إلى نمط إدراكي آخر.
أي انتقالًا من حالة وعي أبسط وأكثر اندماجًا بالطبيعة إلى حالة وعي جديدة اتسمت بدرجة أعلى من التمثل الذهني والتجريد والتأمل الذاتي. وعند هذه النقطة يصبح مفهوم فائض التمثّل مفتاحًا لفهم القصة.
فالإنسان، وفق هذا التصور، لم يصبح إنسانًا لأنه تعلم شيئًا جديدًا فحسب، بل لأنه أصبح يرى العالم من خلال شبكة متزايدة التعقيد من التمثلات والصور والمعاني. فلقد أصبح قادرًا على النظر إلى نفسه كما لو كانت موضوعًا مستقلًا عنه. وأصبح قادرًا على تصور الماضي والمستقبل، والخسارة والمكسب، والعار والفخر، والنجاح والفشل، والموت والخلود.
فالإنسان لم يكتسب معلومة جديدة فقط، بل دخل عالمًا جديدًا بالكامل. وهذا يفسر لماذا أرتبطت السردية القرآنية منذ بدايتها بمفاهيم المعرفة والإدراك أكثر مما أرتبطت بالمفاهيم الجسدية أو المادية. فالمحور الحقيقي للقصة قد لا يكون الشجرة نفسها، بل التحول الذي ترتب على الأكل منها.
إن التركيز التقليدي على فعل المعصية جعل الاهتمام ينصرف إلى الجانب القانوني والأخلاقي للحدث، بينما ظل السؤال الأنثروبولوجي الأعمق في الخلفية: ما الذي تغير في الإنسان بعد تلك اللحظة؟
ومن هنا يمكن اقتراح مقاربة مختلفة. فبدلًا من اعتبار الشجرة مجرد وسيلة لاختبار الطاعة، يمكن النظر إليها بوصفها رمزًا للحدث الذي أطلق الانعطافة الإدراكية الأولى. أما الأكل منها فيمثل لحظة دخول عامل جديد إلى التجربة البشرية؛  وهو عامل أدى إلى تضخم القدرة على التمثل وإعادة التمثل، وإلى ظهور ما أصبحنا نعرفه في هذه السلسلة من المقالات ب “فائض التمثّل”. وفي ضوء هذا الفهم تكتسب كثير من الظواهر الإنسانية اللاحقة معنى جديدًا. فالقلق الوجودي يصبح نتيجة منطقية لوعي الذات، والخوف من المستقبل يصبح نتيجة القدرة على تمثل ما لم يقع بعد. والشعور بالندم يصبح نتيجة القدرة على إعادة تمثل الماضي. والفلسفة والعلم والفن تصبح جميعها امتدادات مختلفة للقدرة ذاتها.
إن الإنسان، وفق هذا التصور، لم يُطرد من الجنة لأنه أخطأ فقط، بل لأنه أصبح كائنًا جديدًا لم يعد قادرًا على العيش بالطريقة نفسها التي كان يعيش بها من قبل. فحين يتغير نمط الإدراك يتغير العالم كله معه، وهذا ما يجعل قصة الشجرة أقرب إلى قصة ميلاد الإنسان بالمعنى الأنثروبولوجي منها إلى مجرد قصة معصية وعقوبة؛ إنها قصة انتقال من البراءة الإدراكية إلى الوعي المعقد. ومن الاندماج الكامل بالطبيعة إلى الوقوف خارجها وتأملها. ومن العيش في الحاضر المباشر إلى العيش داخل شبكة من المعاني والرموز والاحتمالات. ولهذا السبب قد يكون من الأدق النظر إلى ما حدث بوصفه “الانعطافة الإدراكية الأولى” أكثر من النظر إليه بوصفه مجرد معصية؛ فالمعصية تفسر الجانب الأخلاقي من الحدث، لكنها لا تفسر الظاهرة الإنسانية نفسها. أما الانعطافة الإدراكية فتسمح لنا بفهم السبب الذي جعل الإنسان الكائن البيولوجي الوحيد الذي يبني الحضارات ويكتب الشعر ويطرح الأسئلة الوجودية ويعاني في الوقت نفسه من القلق والاغتراب والحيرة. فهذه الانعطافة تفسر كيف ظهر الكائن الذي لا يعيش داخل العالم فحسب، بل داخل تمثلاته للعالم. وربما لهذا السبب ظل ذكر الشجرة حاضرًا في الذاكرة الدينية للبشرية عبر آلاف السنين.
فما تحتفظ به السرديات الكبرى ليس دائمًا وصفًا حرفيًا للأحداث، بل أحيانًا ذكرى رمزية للحظات التأسيسية التي صنعتنا. وإذا صح ذلك، فإن قصة الشجرة قد لا تكون مجرد قصة عن بداية المعصية، بل هي قصة عن بداية الإنسان نفسه.

أضف تعليق