كينونة على حافة الهاوية… “رجال البعث” وهشاشة الإنسان في مرآة الموت

ثمة وهم قديم يسكن الوعي البشري، مفاده أن الإنسان كائن محكوم بـ “منطق أخلاقي” متماسك، وأن هناك خطوطاً حمراء في الطبيعة الإنسانية لا يمكن تجاوزها. غير أن التاريخ، في محطاته الأكثر قتامة، لا يكف عن تقويض هذا الوهم، ليكشف لنا عن هشاشة بنيوية مخيفة في الكينونة البشرية؛ هشاشة تتجلى في قدرة هذا الكائن العجيبة على صياغة التبريرات، واختلاق المسوغات المنطقية والأخلاقية لإضفاء “مشروعية متوهمة” على أفعال تجافي كل منطق، وذلك لمجرد اجتياز أزمة عابرة، سواء كانت فقراً مدقعاً، أو خطراً يهدد الوجود، أو حتى رغبة جامحة في الإثراء السريع.
تتبدى هذه الهشاشة الأخلاقية بأوضح صورها في ظاهرة “رجال البعث” (The Resurrection Men) التي شهدتها بريطانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ففي تلك الحقبة، تحول الموتى إلى “سلعة”، وتحولت المقابر إلى ساحات للاستثمار التجاري. ولم يكن هؤلاء النباشون يجدون غضاضة في انتهاك حرمة القبور وسرقة الجثث الحديثة لبيعها لكليات الطب.
المثير للتأمل هنا ليس الفعل الإجرامي بذاته، بل “الذكاء التبريري” الذي رافقه؛ فقد استغل هؤلاء ثغرة في القانون البريطاني آنذاك، والذي كان يعاقب على سرقة الكفن أو الملابس باعتبارها جناية، بينما يرى في سرقة الجسد البشري الميت مجرد “جنحة” بسيطة لأن الجثة لا يملكها أحد! وهنا تجلت الهشاشة في أبهى مساخرها: لقد وجد الإنسان تبريراً يحميه قانونياً ويقنعه أخلاقياً بأن “أكل العيش” والبحث عن الإثراء السريع، أو حتى خدمة العلم، يبيح تحويل الإنسان إلى بضاعة تُشترى وتُباع.
وإذا كان “رجال البعث” قد انتهكوا حرمة الموتى مدفوعين بالجشع وتضرر الذائقة القيمية، فإن التاريخ يسجل تجليات أخرى أكثر رعباً، حيث تلاشت الحدود بين “المشروع” و”المستحيل” تحت وطأة غريزة البقاء المطلقة. ففي المدن التي عانت من حصار طويل ومرير امتد لشهور، ونفدت فيها كل مصادر الطعام والحيوانات، وجد الإنسان نفسه أمام خيارين: الفناء أو افتراس أخيه الإنسان. وفي تلك اللحظات الوجودية الحرجة، سقطت القشرة الرقيقة للحضارة، ولجأ الناس إلى الاقتتات على جثث الموتى. وهنا، لم يعد للجسد البشري أيُ حرمة، بل استحال ملاذاً أخيراً لاستمرار الحياة. هذه الحوادث تثبت أن الوعي البشري مستعد لإعادة تعريف “المحرمات” وشرعنتها عندما يحدق به خطر الفناء، مما يكشف عن سيولة مرعبة في القيم والمبادئ أمام اختبار الوجود.
ولكن، ماذا لو غابت الحاجة المادية وغابت غريزة البقاء، وظل الانتهاك قائماً؟ هنا تحديداً يصطدم التحليل الفلسفي بالجدار الإجرامي العبثي للإنسان. فالتاريخ يسجل لنا حوادث منافية لكل منطق، ولا يمكن إدراجها تحت أي مسوغ تبريري؛ فإبان الثورة الفرنسية، وفي أجواء الحقد الطبقي والسياسي، نُبشت قبور الملوك والرموز التاريخية وصُبت عليها اللعنات وعُبث برفاتهم. والأشد هولاً ما حدث عندما حُوصرت روما واجتيحت عام 1527 من قبل جنود الإمبراطور شارل الخامس؛ حيث لم يكتفِ الجنود بالقتل والنهب، بل عمدوا إلى استخراج جثث الموتى والباباوات من قبورهم، والعبث بها، والقيام بأفعال سريالية وصلت إلى حد “مراقصة الجثث” في الشوارع! ففي هذه المشاهد، نحن لا نتحدث عن فقر يحتاج لمال، ولا عن جوع يطلب طعاماً، بل عن شهوة تدميرية عارية، وعن نزوع نحو العبث والتدنيس الخالص الذي يستعصي على أي تفسير منطقي. إن هذه السلوكيات الممتدة عبر الزمان والمنتشرة في المكان، تضعنا أمام مأزق معرفي (إبستمولوجي) حقيقي. فهي تمثل عائقاً يتعذر اجتيازه إذا ما سلمنا بالنظرية الاختزالية الشائعة بأن الإنسان هو مجرد “امتداد تطوري طبيعي للحيوان”. فالحيوان، في أقصى درجات وحشيته، محكوم بنظام غريزي صارم (جوع، دفاع عن النفس، تناسل)، وهو لا يعرف العبث بالجثث، ولا يبتكر وسائل لتدنيس الموت، ولا يرقص مع الموتى، ولا يحتاج إلى صياغة منظومات تبريرية معقدة ليقنع نفسه بـ “مشروعية” افتراسه لغيره.
هذا الفائض من السلوك اللامنطقي والعبثي في الإنسان، وهذه القدرة على النزول إلى دركات من السقوط لا تعرفها أعتى الحيوانات ضراوة، يجبرنا على الإقرار بأن هناك “حدثاً ما” أو شرخاً ميتافيزيقياً عميقاً قد ترك بصمته في الكينونة البشرية. إن الإنسان كائن غريب عن الطبيعة التي خرج منها؛ كائن يمتلك وعياً حاداً يجعله قادراً على الصعود إلى أسمى مراتب الوعي، والارتكاس في الآن ذاته إلى قاع مستنقع يستعصي على الفهم.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “رجال البعث” (The Resurrection Men)، وآكلي الجثث زمن الحصار، ومراقصي الموتى في روما، هم كائنات تبقى وجوهاً متعددة لعملة واحدة: إنها مرآة الهشاشة الإنسانية. إن الإنسان كائن لا ينفك يفاجئنا بما لا يستطيع حتى أكثر المدافعين عن “عظمته” أن يجدوا له تفسيراً. إنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يفعل أي شيء، وكل شيء، شريطة أن يمنح نفسه أولاً المسوغ الأخلاقي المناسب!

أضف تعليق