
في التقويم التاريخي لكوكب الأرض، تُقاس الأحداث الجيولوجية بملايين السنين. فالأرض، التي يمتد عمرها إلى نحو 4.5 مليار سنة، اعتادت على الإيقاعات البطيئة والرصينة؛ حيث يمتد أقصر العصور الجيولوجية عمراً إلى ما يقارب 150 مليون سنة. وضمن هذا السجل السحيق، ظلت التغيرات الكبرى، من زحزحة القارات إلى تشكّل الغلاف الجوي، نتاج تفاعلات ممتدة عبر آماد حُقبية متناهية في الطول. غير أن العقود القليلة الماضية شهدت سابقة جيولوجية هي الأولى من نوعها، وفي أغلب الظن الوحيدة التي سيشهدها تاريخ الأرض: إنه بزوغ عصر “الأنثروبوسين” (Anthropocene)؛ العصر المطبوع بالبصمة البشرية.
تتبدى المفارقة الوجودية والبيولوجية الصارخة هنا في طبيعة الفاعل نفسه. فالإنسان، تاريخياً وبنيوياً، كائن ممعن في الهشاشة؛ هو هشٌ بيولوجياً وفسيولوجياً أمام قوى الطبيعة وعادياتها، ومأزوم سايكولوجياً في بحثه الأنطولوجي عن الأمان والسيطرة. ومع ذلك، فإن هذه الكينونة الهشة قد استطاعت، عبر ما يُعرف بـ “التسارع العظيم” الذي انطلق منتصف القرن العشرين، أن تراكم أثراً ممتداً وبعيد المدى، تجاوزت حدوده الجغرافيا البشرية لتهيمن على كيمياء الكوكب وفيزيائه الحيوية.
إن ما يدعو للذهول والإبهار في آن واحد، هو أن النشاط البشري المكثف في بضعة عقود فحسب، وهي لا تمثل سوى “رمشة عين” في السجل الجيولوجي، قد أدى إلى تردٍّ بيئي وتسارع متلاحق في المؤشرات الكوكبية، لدرجة اضطرت علماء الأرض إلى صياغة ونحت مصطلح حقبة جيولوجية جديدة لتوصيف هذا الأثر الحاد والمستدام. فلم يسبق قط في تاريخ الأرض أن ترك حدثٌ ما بصمةً طبقية ومناخية واضحة للعيان بهذه السرعة الفائقة. فمن نظائر النحاس والمشعّات النووية، إلى جزيئات البلاستيك والمخلفات الكيميائية، غدت البصمة البشرية محفورة في طبقات الأرض بوضوح لا يقل عن آثار العصور الجيولوجية الكبرى السابقة.
ومع وضوح هذه الأدلة المادية، يبرز جدلٌ فكري وسياسي محتدم؛ إذ يصرّ قطاع من علماء الجيولوجيا التقليديين، ومعهم معظم المنظرين السياسيين والاقتصاديين في الغرب، على إنكار وجوب استحداث هذه الحقبة الجديدة وتثبيتها رسمياً في “الجدول الاستراتيغرافي للأرض”. وينطلق هذا الإنكار من حجة بنيوية مفادها أن المفهوم التقليدي للحقبة الجيولوجية يستلزم مُدداً مليونية، وبالتالي فلا وجه هنالك للمقارنة، بزعمهم، بين ملايين السنين وبضعة عقود من الزمن البشري.
بيد أن هذا الإنكار يتغافل عن جوهر التحول؛ فالأنثروبوسين ليس مجرد وحدة زمنية كمية، بل هو صفة نوعية تدل على تحول “نوعي” في آليات التغير الكوكبي. إن رفض الاعتراف بالأنثروبوسين بحجة قِصر مدته الزمنية يعكس عجزاً عن استيعاب “كثافة السرعة” التي اتسم بها التسارع العظيم. لقد عوّض الإنسان قِصر المدة الزمنية بـ “كثافة وجذرية الفعل”، محولاً هشاشته الذاتية إلى قوة تدميرية وإعادة تشكيل شاملة للغلاف الحيوي.
في الختام، يظل “الأنثروبوسين” مصطلحاً علمياً وفلسفياً دقيقاً، لا يصف مجرد تلوث بيئي عابر، بل يوثق حقبة حقيقية ستحمل بصمة الإنسان إلى الأبد. إنها المرآة الفلسفية التي تضع البشرية أمام حقيقتها العارية المتمثلة في السؤال التالي: كيف يمكن لكائن بهذه الهشاشة البيولوجية والفسيولوجية والسايكولوجية، أن يملك القدرة على اختصار ملايين السنين من التطور الجيولوجي في بضعة عقود، ليصبح هو نفسه الصانع والمحدد للمصير الكوكبي؟ إنه التحدي الأكبر الذي يفرض على الفكر المعاصر الانتقال من عقلية السيطرة اللاهثة إلى فلسفة الإبطاء والتعايش، قبل أن تطوي الأرض هذه الحقبة الخاطفة كما طوت غيرها من الحُقب من قبل.
