
من بين أكثر المسلمات رسوخًا في علم اجتماع الأديان تلك الفكرة التي تقول إن الرحلة الدينية للإنسان بدأت من التعدد وانتهت إلى الوحدة. فبحسب السردية الشائعة، كان الإنسان البدائي محاطًا بقوى الطبيعة الغامضة التي عجز عن تفسيرها، فافترض لكل ظاهرة إلهًا أو روحًا خاصة بها. فكان هناك إله للمطر، وإله للخصب، وإله للحرب، وإله للشمس، وإله للقمر، وإله للبحر، وإله للموت. ومع مرور الزمن أخذ عدد هذه الآلهة يتناقص تدريجيًا، فتجمعت وظائفها في آلهة أقل عددًا وأوسع سلطانًا، حتى انتهى الأمر إلى ظهور فكرة الإله الواحد في الديانات التوحيدية.
وللوهلة الأولى تبدو هذه السردية معقولة ومقنعة. فهي تنسجم مع الميل الشائع إلى تصور التاريخ الإنساني بوصفه رحلة صعود متدرج من البساطة إلى التعقيد، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الخرافة إلى العقلانية. غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: هل هذه الرواية منسجمة فعلًا مع ما نعرفه عن الإنسان نفسه؟
لقد كشفت سلسلة المقالات السابقة أن الإنسان ليس مجرد كائن عاقل، بل هو قبل كل شيء كائن خاضع لما تم تسميته في تلك المقالات بـ”فائض التمثّل”. فهو لا يعيش الواقع كما هو، وإنما يعيش داخل شبكة متراكبة من الصور الذهنية والتصورات والرموز والتأويلات والإسقاطات. وهذا الفائض لا يميل بطبيعته إلى الاختزال والتبسيط والوحدة، بل إلى التوسع والتكثير والتشعب والتوليد المستمر للمعاني والكيانات والتصورات.
ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى. فإذا كان الإنسان خاضعًا فعلًا لسلطان فائض التمثّل، فهل من المعقول أن تكون رحلته الدينية قد بدأت بتعدد الآلهة ثم انتهت إلى الواحد؟ أم أن الاحتمال الأكثر اتساقًا مع طبيعته النفسية والإدراكية هو العكس تمامًا؟
إن النص القرآني يقدم تصورًا مختلفًا بصورة جذرية عن تلك السردية التي يطرحها علم اجتماع الأديان. فهو لا يتحدث عن إنسان اكتشف التوحيد بعد رحلة طويلة من التفكير والتجريب العقلي، بل يتحدث عن توحيد كان حاضرًا منذ البداية بوصفه هداية إلهية وتعليمًا مباشرًا للإنسان الأول. فمع آدم تبدأ المعرفة بالله، ومع الأنبياء تتجدد هذه المعرفة كلما تعرضت للتشويه والانحراف. ووفق هذا التصور لم يكن التوحيد نتيجة نهائية لمسار تاريخي طويل، بل كان نقطة البداية نفسها.
لكن لماذا لم يبق الإنسان على هذا التوحيد؟ هنا تحديدًا يصبح فائض التمثّل مفتاحًا تفسيريًا بالغ الدلالة. فالتوحيد الخالص يمثل من الناحية التصورية أبسط صورة ممكنة لفهم الإلوهية؛ فهو يقوم على إرجاع جميع مظاهر القوة والخلق والتدبير إلى مصدر واحد مطلق. غير أن العقل البشري الواقع تحت هيمنة فائض التمثّل يجد صعوبة دائمة في البقاء داخل هذا الإطار البسيط والمجرد. فهو يميل باستمرار إلى التشخيص والتجسيد والتفريع والتقسيم وإضفاء الصفات والصور والوسائط والرموز. وبمرور الزمن تبدأ الوسائط بالاستقلال عن الأصل. وتبدأ الرموز باكتساب حضورها الخاص. وتتحول الشخصيات المقدسة إلى كيانات ذات سلطان مستقل. ثم تتعدد الكائنات “الغيبية” والوسائط الروحية حتى يتشكل “عالَم ديني” مزدحم بالكائنات والمراتب والقوى والآلهة وأنصاف الآلهة.
إن المسار الطبيعي لفائض التمثّل ليس الانتقال من الكثرة إلى الواحد، بل الانتقال من الواحد إلى الكثرة. وهذا ما نلاحظه في مجالات إنسانية أخرى أيضًا. فاللغة تبدأ بعدد محدود من المفاهيم ثم تتفرع إلى آلاف المصطلحات. والأساطير تبدأ بحكايات بسيطة ثم تتحول إلى عوالم سردية هائلة. والنظم الاجتماعية تبدأ بأشكال محدودة ثم تتشعب إلى مؤسسات ومراتب وقوانين معقدة. فالإنسان، بحكم بنيته التمثّلية، لا يتوقف عن إنتاج المزيد من الكيانات والتصورات والتمييزات.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن ما نسميه تاريخ الأديان قد يحتاج إلى إعادة قراءة جذرية. فالشرك، وفقاً لما تبين لنا أعلاه بشأن فائض التمثل، لم يكن هو المرحلة الأولى التي أنجبت التوحيد، بل كان التوحيد هو الأصل الذي أنجب الشرك. فالإله الواحد، وفقاً لذات فائض التمثل الذي تبيناه أعلاه، لم يكن ثمرة نضج متأخر للعقل البشري، بل كان الحقيقة الأولى التي تلقاها الإنسان ثم أخذ يبتعد عنها تدريجيًا تحت ضغط الآليات نفسها التي أنتجت معظم مظاهر الحضارة والثقافة والرمزية الإنسانية. إن قبول هذه الفرضية لا يقتضي مجرد تعديل بعض التفاصيل في علم اجتماع الأديان، بل قد يفرض إعادة النظر في السردية الأساسية التي يقوم عليها هذا الحقل بأكمله. فبدل أن نسأل: كيف انتقل الإنسان من تعدد الآلهة إلى الإله الواحد؟ فإن السؤال الأكثر وجاهة هو: كيف انتقل الإنسان من الإله الواحد إلى هذا العدد الهائل من الآلهة والوسائط والرموز والمعبودات؟ وعند هذه النقطة لا يعود التوحيد نهاية الرحلة الدينية للإنسان، بل يصبح بدايتها. ولا يعود الشرك مرحلة طفولية سبقت النضج العقلي، بل يصبح أحد المظاهر المنطقية لفائض التمثّل الذي شرع يعمل داخل الإنسان منذ اللحظة التي أكل فيها أبواه من الشجرة التي نهاهما الله عنها.
وهذا هو السبب في أن الرسالات الإلهية لم تأتِ لتعليم الإنسان فكرة جديدة تمامًا، بقدر ما جاءت لتذكيره بما نسيه. فالأنبياء، وفق الرؤية القرآنية، لم يكونوا رواد ثورة فكرية أخرجت البشرية من التعدد إلى الوحدة، بل كانوا دعاة عودة متكررة إلى حقيقة أولى كانت موجودة منذ البدء بالإمكان ايجاز فحواها كما يلي: اللهُ إلهٌ واحدٌ أحدٌ لا إله إلا هو، وما عداه ليس سوى نتاج متراكم لذلك الفائض التمثّلي الذي لا يكف عن دعوة الإنسان للحيود عن الواحد إلى الكثرة.
