
يظل الإنسان، رغماً عن ترسانته المعرفية، كائناً مسكوناً بالهشاشة؛ هشاشة تكوينية تجعله يرتعد أمام الغموض، ولا يطيق البقاء في مساحة “اللامعرفة”. حين واجه الإنسان القديم ظواهر الطبيعة واعتلالات الجسد المستعصية، لم يكن يملك ترف الانتظار حتى ينضج المنهج العلمي؛ لذا، وعوضاً عن اتخاذ مقاربة موضوعية محايدة تتطلب صبراً بحثياً وأدوات لم تكن متوفرة، جنح صوب تصوراته الذاتية؛ حيث أنه استدعى العقل البشري رصيده المتراكم من الأساطير والمرويات، ليصنع منها “دروعاً تفسيرية” يواجه بها رعب المجهول، مؤثراً الاكتفاء بها عن مكابدة عناء البحث السببي المضني.
تتجلى هذه الهشاشة بأبهى صورها في نشأة أساطير “مصاصي الدماء Vampires” و”المستذئبين Werewolves “. فالإنسان لم يخترع هذه الكائنات من عدم، بل اخترعها هرباً من مواجهة عجزين: عجز الطب وعجز الموت.
فالدراسات الأنثروبولوجية الحديثة (كأطروحة جامعة نيوكاسل الصادرة عام 2025 حول خطاب النخبة تجاه الجثث) تثبت أن نبش القبور في أوربا الشرقية قديماً لرصد “المستيقظين من الموت” لم يكن إلا جهلاً بآليات التحلل البيولوجي الطبيعي. فانتفاخ الجثث بفعل الغازات وخروج الدم من الفم كان علامة علمية على الموت والتحلل، لكن الهشاشة الإنسانية آثرت إكساء هذا المنظر المرعب برداء الخرافة، ظناً وتوهماً بأن هذا الجسد يعود الى انسان ميت يقوم بامتصاص الحياة.
وفي السياق ذاته، يظهر الطب الحاضر (عبر المراجعات العلمية الممتدة حتى عام 2026) كيف حوّلت الذات البشرية أمراضاً عضوية ونفسية محددة إلى وحوش ضارية. فمريض البورفيريا الذي تؤكل لثته وتؤذيه الشمس، ومريض داء الكلب الذي ينتابه هياج عنيف ويسيل لعابه باحثاً عن العض، ومريض الاستذئاب السريري الذي يعاني وهماً جارفاً بتحوله الحيواني؛ كل هؤلاء كانوا ضحايا لخلل بيولوجي ونفسي. إلا أن العقل القديم، تماشياً مع هشاشته التي لا تستسيغ غياب التفسير، آثر أن “يغض الطرف” عن الأسباب الموضوعية، ليرى في المريض مستذئباً وفي الميت مصاص دماء. إن قبول فكرة “الوحش الخارق” كان، للمفارقة، أقل رعباً من قبول فكرة “المرض العشوائي” الذي قد يصيب أي إنسان دون سابق إنذار. فالالتجاء إلى الخيال لم يكن مجرد آلية دفاعية، بل كان ينطوي على نوع من “التلذذ والاستمتاع”. فالإنسان يجد في الحكاية الفلكلورية غذاءً شهياً لخياله الخصب. فالعقل البشري يميل غريزياً إلى البنية السردية ذات الصبغة التشويقية؛ فالسببية العلمية الجافة (فيروس، خلل جيني، غازات تحلل) تقدم عالَماً بارداً، عقلانياً، ومحايداً إلى حد الملل، بينما تقدم الخرافة عالَماً مشحوناً بالمعنى، بالصراع بين الخير والشر، وبالغموض الساحر. وهذا التفضيل البشري لـ “الغموض المبهر” ليس حكراً على العصور المظلمة؛ بل هو محرك فعال ومتغول في عصرنا الراهن. ويؤكد الباحث السوسيولوجي جيفري إس. ديبيرز-كارل في أبحاثه الحديثة (2023) حول “علم أساطير المواقع والهلع الثقافي” أن إعادة إنتاج هذه الكائنات في الروايات والسينما والمسلسلات الحديثة، وجذبها لفئات عمرية متعددة بنسب تتصاعد سنوياً، ليس مجرد ترفيه عابر؛ إذ أنه الدليل الدامغ على أن الإنسان المعاصر، رغم عيشه في ذروة العصر الرقمي، لا يزال يحمل في أعماقه نفس الهشاشة القديمة، ونفس الجوع السيكولوجي لعالَم يتجاوز المألوف.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الإنسان قد اعتمد الخيال لا العقل في تفسير هذه الظواهر، وذلك لأن الخيال يوفر له ما يحتاجه بالضبط ليبقى متصلاً بـ “دهشة الوجود”. فالعقل يضع حدوداً صارمة للعالَم، بينما يكسر الخيال هذه الحدود ليمنح الإنسان شعوراً بالغموض والإبهار.
وستبقى أساطير المستذئبين ومصاصي الدماء شاهداً تاريخياً ومعاصراً على أن البشر، في كثير من الأحيان، لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن “المعنى الذي يواسي هشاشتهم”، حتى لو كان هذا المعنى قابعاً في عتمة الخرافة.
