من الأسطورة إلى الإيديولوجيا… كيف غيّر فائض التمثّل أقنعته دون أن يغيّر جوهره؟

من بين أكثر الأوهام رسوخًا في الوعي المعاصر ذلك الاعتقاد بأن عصر الأساطير قد انتهى، وأن إنسان هذا العصر قد تحرر أخيرًا من الخرافات التي كانت تستبد بأسلافه. فكثيرًا ما ينظر الإنسان الحديث إلى نفسه بوصفه كائنًا عقلانيًا يعيش في عصر العلم والمعرفة، ويقارن نفسه بإنسان الأزمنة القديمة الذي كان يؤمن بالآلهة المتعددة والعمالقة والتنانين والأرواح الخفية. ويبدو للوهلة الأولى أن هذا التصور معقول ومقنع. فالعلم كشف كثيرًا من أسرار الطبيعة، وأزاح عددًا هائلًا من التفسيرات الأسطورية التي كانت سائدة في الماضي. غير أن التأمل الأعمق يقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا. فربما لم تختفِ الأسطورة أصلًا، وربما لم يتخلص الإنسان منها قط، فكل ما حدث هو أن فائض التمثّل الذي أنتج الأساطير القديمة قد وجد لنفسه أقنعة جديدة أكثر ملاءمة للعصور لهذا العصر.
فالأسطورة، في جوهرها العميق، ليست مجموعة من الكائنات الخيالية أو الحكايات العجائبية فحسب، بل هي بناء تمثلي يمنح الإنسان تفسيرًا شاملًا للعالَم، ويزوده بإجابات جاهزة عن الأسئلة الكبرى، ويمنحه شعورًا باليقين والانتماء والمعنى. وحين نفهم الأسطورة بهذا المعنى الأوسع، يصبح من الصعب القول إنها اختفت من حياة الإنسان. فلقد كانت الأسطورة القديمة تتحدث عن آلهة تتحكم بمصائر البشر، أما الأسطورة الحديثة فقد استبدلت الآلهة بأفكار مجردة. فبدلًا من إله الحرب ظهر التاريخ بوصفه قوة غامضة تقود البشرية نحو مصير محتوم. وبدلًا من إله الخصب ظهرت نظريات تعد بالخلاص الاقتصادي الشامل. وبدلًا من الآلهة الحامية للقبائل ظهرت القوميات والأيديولوجيات والهويات الكبرى التي تمنح أتباعها شعورًا مشابهًا بالانتماء والاصطفاء. فلقد تغيرت الرموز، لكن الآلية النفسية بقيت كما هي. فالإنسان القديم كان يفسر العالم عبر أسطورة، والإنسان المعاصر يفسره كثيرًا عبر أيديولوجيا. وكلاهما يحاول أن يحول التعقيد الهائل للواقع إلى قصة بسيطة ومتماسكة تمنحه الطمأنينة.
ومن هنا يمكن فهم السر الكامن وراء القوة الاستثنائية التي تتمتع بها الإيديولوجيات المعاصرة. فهذه القوة لا تنبع من صحة أفكارها أو خطئها بقدر ما تنبع من قدرتها على مخاطبة الحاجة الإنسانية العميقة إلى المعنى. فهي لا تخاطب العقل وحده، بل تخاطب ذلك الجزء من الإنسان الذي يبحث باستمرار عن “قصة كبرى” يفسر من خلالها العالم وموقعه فيه. ولهذا السبب نرى أن أتباع الإيديولوجيات كثيرًا ما يتصرفون بطريقة تشبه إلى حد بعيد سلوك المؤمنين بالأساطير القديمة. فهم يدافعون عن تصوراتهم بحماسة تتجاوز حدود البرهان العقلي، ويقاومون الأدلة المخالفة لها، ويعيدون تأويل الوقائع بما يحافظ على تماسك الرواية التي يؤمنون بها.
ولعل أكثر ما يكشف هذا التشابه هو أن الأسطورة والإيديولوجيا كلتاهما تمتلك القدرة ذاتها على إعادة تشكيل الواقع داخل العقل البشري. فحين يعتنق الإنسان فكرة شاملة عن العالم لا يعود يرى الوقائع كما هي، بل كما تسمح له تلك الفكرة بأن يراها. وهكذا يتحول الواقع نفسه إلى مادة خام يعاد تشكيلها داخل منظومة التمثلات الذهنية. وهنا تتجلى بوضوح إحدى أخطر نتائج فائض التمثّل. فالإنسان لا يعيش الواقع مباشرة كما تفعل بقية الكائنات الحية، بل يعيش تمثلاته عن الواقع. وهو لا يتعامل مع الأشياء كما هي، بل كما يتصورها. ولذلك فإن ما يحرك البشر في كثير من الأحيان هو ليس الحقائق ذاتها، بل الصور الذهنية التي يحملونها عن تلك الحقائق.
وقد شهد التاريخ الحديث أمثلة لا حصر لها على هذه الظاهرة. فقد اندفعت شعوب بأكملها إلى الحروب دفاعًا عن أفكار ورموز وتمثلات. وقُتل الملايين باسم رؤى مستقبلية لم تتحقق قط. وتعرضت مجتمعات كاملة للتمزق بسبب صور ذهنية متخيلة عن الآخر أكثر مما كان بسبب وقائع فعلية.
وإذا كانت الأساطير القديمة قد أنجبت معابدها وكهنتها وطقوسها، فإن الإيديولوجيات الحديثة أنجبت هي الأخرى معابدها الخاصة، وإن جاءت بأسماء مختلفة. فهناك كتب “مقدسة” غير معلنة، وشخصيات تُعامل بوصفها معصومة من الخطأ، وسرديات كبرى يُنظر إليها باعتبارها التفسير النهائي للتاريخ والوجود. فما تغير ليس البنية النفسية للإنسان، بل اللغة التي يعبر بها عن هذه البنية.
ومن هذه الزاوية يصبح الانتقال من الأسطورة إلى الإيديولوجيا أقل شبهًا بعملية تحرر، وأكثر شبهًا بعملية تبديل للأقنعة. فالإنسان لم يغادر عالم التمثلات، لأنه لا يستطيع ذلك أصلًا. فهو الكائن الذي تشكل وعيه نفسه داخل هذا العالم الرمزي الذي صنعه فائض التمثّل. ولهذا فإن السؤال الحقيقي هو ليس: كيف نتخلص من الأساطير؟ بل: كيف نصبح أكثر وعيًا بالتمثلات التي تحكمنا؟ فالخطر لا يكمن في وجود التمثلات بحد ذاتها، إذ لا يستطيع الإنسان العيش من دونها. وإنما يكمن في نسيانه أنها تمثلات. فحين ينسى الإنسان أن ما يراه هو ليس الواقع نفسه بل صورة عنه، يصبح أسيرًا لما صنعه عقله بيديه.
وهكذا يتبين لنا أن الأسطورة لم تمت يومًا، ولكنها غيرت أسماءها وثيابها وشعاراتها فحسب، أما جوهرها فقد بقي حيًا يمارس تأثيره في السياسة والثقافة والتدين والاقتصاد والفكر. وما دام فائض التمثّل قائمًا في النفس البشرية، فإن الأسطورة ستظل تولد من جديد، مرة في هيئة تفسير عقلاني لنص ديني مقدس، ومرة في هيئة إيديولوجيا، ومرة في هيئة نظرية، ومرة في هيئة حلم جماعي يعد الإنسان بالخلاص النهائي.
ولعل أعظم أوهام الإنسان المعاصر هو ليس إيمانه بالأساطير، بل اعتقاده أنه لم يعد يؤمن بها.

أضف تعليق