
من بين الظواهر التي تبدو للوهلة الأولى مناقضة لفكرة انفراط العدوان البشري وخروجه عن الضوابط الطبيعية، تبرز ظاهرة التكتل والتجمع البشري بوصفها واحدة من أكثر الظواهر إثارة للحيرة. فالإنسان، رغم ما نراه من صراعات وعداوات ومنافسات لا تنتهي، يمتلك في الوقت نفسه ميلاً واضحاً إلى الاجتماع والتحشد والانضمام إلى الجماعات. فهو يؤسس الأسر والعشائر والأحزاب السياسية والأندية الرياضية والطوائف الدينية والحركات الفكرية والتحالفات الاقتصادية، بل وحتى الجماعات الافتراضية التي لا يجمع أفرادها مكان واحد ولا زمان واحد. وللوهلة الأولى قد يبدو هذا الميل دليلاً على أن الإنسان كائن اجتماعي بالمعنى نفسه الذي تكون عليه الكائنات القطيعية في الطبيعة. غير أن التأمل الأعمق يكشف أن الأمر أكثر تعقيداً بكثير. ففي عالم الحيوان تؤدي القطيعية وظيفة واضحة ومباشرة تتعلق بالبقاء. فالقطيع يحمي أفراده من المفترسات، ويزيد فرص الحصول على الغذاء، ويساعد على تربية الصغار، ويخفض المخاطر التي قد يتعرض لها الفرد منفرداً. ولذلك فإن الجماعة الحيوانية ليست موجهة ضد أفراد النوع نفسه بقدر ما هي موجهة لخدمة المنفعة المشتركة للقطيع بأسره. ومن النادر أن نجد قطيعاً من الحيوانات يجتمع لكي يمضي وقته في مراقبة قطيع آخر أو تشويه سمعته أو التحريض ضده أو البحث عن عيوب أفراده. فالحياة الطبيعية أكثر اقتصاداً من أن تسمح بمثل هذا الهدر.
أما في العالم البشري فإن الصورة تختلف على نحو لافت. فالتجمع الإنساني كثيراً ما يبدو وكأنه قائم على التضامن والتآلف، لكنه يحمل في أعماقه وظيفة أخرى أقل ظهوراً. ولعل أبسط الأمثلة على ذلك ما يمكن ملاحظته في بعض التجمعات اليومية العادية. فلو شاهدنا ثلاث نساء يجلسن معاً في جو يبدو ودوداً ومريحاً، فقد نتصور أن ما يجمعهن هو الصداقة وحدها. غير أن الاقتراب من مضمون الحديث يكشف أحياناً أن جزءاً كبيراً منه يدور حول أشخاص غائبين؛ هذه انتقاد لملبس امرأة أخرى، وتلك تعليق على تصرفاتها، وثالثة تتناول علاقتها بهذا الشخص أو ذاك. وهنا يصبح التكتل الظاهري إطاراً لممارسة عدوان رمزي موجّه نحو أطراف غير حاضرة. والمشهد نفسه يتكرر بأشكال أكثر اتساعاً. فالأحزاب السياسية لا تتماسك غالباً حول ما تؤمن به فحسب، بل حول ما تعارضه أيضاً. والجماهير الرياضية لا تكتفي بحب ناديها، بل تعرف نفسها من خلال كراهية النادي المنافس. وحتى الدول كثيراً ما تجد في وجود عدو خارجي وسيلة فعالة لتعزيز وحدتها الداخلية. وكأن الجماعة البشرية لا تتشكل فقط حول هدف مشترك، بل حول خصم مشترك كذلك.
ومن هنا يبرز احتمال مختلف لفهم الظاهرة. فربما لا تكون القطيعية البشرية امتداداً مباشراً للقطيعية الحيوانية، بل شكلاً جديداً ومتحوراً منها. فالفرد لا ينضم دائماً إلى الجماعة لأنه يبحث عن التعاون فحسب، بل لأنه يجد فيها أيضاً أداة تمنحه قوة أكبر في مواجهة الآخرين. فالجماعة هنا تصبح وسيلة لتكبير القدرة على المنافسة أو الإقصاء أو الهجوم، سواء كان ذلك بالكلمات أم بالإشاعات أم بالضغوط الاجتماعية أم بالقوة المادية المباشرة. ولذلك فإن كثيراً من أشكال التضامن البشري تبدو مشروطة بوجود طرف آخر يُستبعد أو يُهاجم أو يُحمَّل مسؤولية المشكلات. فكلما ازداد وضوح العدو المشترك ازداد تماسك الجماعة. وهذه حقيقة تتكرر من أصغر الدوائر الاجتماعية إلى أكبر الوحدات السياسية. فليس من المصادفة أن تنشأ كثير من الهويات الجماعية عبر التمييز بين “نحن” و”هم”، وأن يزداد شعور الانتماء كلما اشتد الشعور بوجود خصم خارجي.
ومن منظور فرضية فائض التمثّل، يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها نتيجة مباشرة لاتساع العالم الرمزي للإنسان. فالحيوان يتجمع حول أخطار واقعية ومباشرة، أما الإنسان فيستطيع أن يتجمع حول أفكار وصور ذهنية وروايات متخيلة وأعداء رمزيين قد لا يكون لهم وجود مباشر أصلاً. وهكذا يصبح التكتل نفسه جزءاً من منظومة التمثلات التي يصنعها العقل البشري ويعيش داخلها.
ولهذا فإن السلوك القطيعي الإنساني قد لا يكون قطيعية حقيقية بالمعنى البايولوجي الذي نراه في أسراب الطيور أو قطعان الحيوانات؛ إذ أنه قطيعية زائفة، أو شبه قطيعية (Pseudo-Gregariousness)، لأن هدفها النهائي لا يتمثل دائماً في التعاون من أجل البقاء، بل كثيراً ما يتمثل في توحيد الجهود ضد منافس أو خصم أو عدو، حقيقياً كان أم متخيلاً. وهكذا يظهر الإنسان، مرة أخرى، بوصفه الكائن الذي استطاع أن يحوّل حتى الاجتماع نفسه إلى أداة من أدوات العدوان. وبهذه الصورة تنكشف مفارقة لافتة: فالإنسان لا يتخلى عن عدوانيته عندما يدخل الجماعة، بل كثيراً ما يحمل عدوانيته معه إلى داخلها. بل أن الجماعة نفسها قد تصبح الوسيلة التي تمنح تلك العدوانية قوة أكبر وتأثيراً أوسع. ومن ثم فإن التكتل البشري، الذي يبدو في ظاهره دليلاً على التعاون، قد يخفي في أعماقه وجهاً آخر يجعل منه أحد أكثر تجليات الصراع الإنساني تعقيداً وخفاءً.
